الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1611 02 شوال 1445 هـ - الموافق 11 نيسان 2024 م

وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا

المداومةَ المداومةَحافظوا على الذخائرمراقباتخطبة عيد الفطرالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقبات
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1609 17 شهر رمضان 1445 هـ - الموافق 28 آذار 2024 م

أوصيكُم بتقوى الله

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وأعزّ المرسلين، سيّدنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء، بذكرى شهادة سيّد الأوصياء وأمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام).


إنّ ليلةَ التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، هي الليلة الأولى من ليالي القدر العظيمة، وهي الليلة الّتي ضرب فيها المراديُّ عبدُ الرحمن بنُ ملجم أميرَ المؤمنين (عليه السلام)، وهو في محراب مسجد الكوفة! وبقي (عليه السلام) ثلاثة أيّامٍ يعاني آلامَ جرحه، حتّى كان اليوم الحادي والعشرون، نادى أولادَه كلَّهم بأسمائهم، صغيراً وكبيراً، واحداً بعد واحد، وجعل يودّعهم ويقول: «الله خليفتي عليكم، أستودعُكم الله»، وهم يبكون، فقال له الحسن (عليه السلام): «يا أبَه، ما دعاكَ إلى هذا؟»، فقال له: «يا بُنيّ، إنّي رأيتُ جدَّك رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) في منامي قبل هذه الكائنةِ بليلة، فشكوتُ إليه ما أنا فيه من التذلّلِ والأذى من هذه الأمّة، فقال لي: ادعُ عليهم، فقلت: اللهمّ أبدلهم بي شرّاً منّي، وأبدلني بهم خيراً منهم، فقال لي: قد استجاب اللهُ دعاك، سينقلك إلينا بعد ثلاث، وقد مضَتِ الثلاث»[1].

في هذه الأيّام الثلاثة الأخيرة من عمر أمير المؤمنين (عليه السلام)، أوصى ولدَيه الإمامَين الحسن والحسين (عليهما السلام) بوصيّةٍ، كلماتُها جديرة بصاحبها، يفتتحها (عليه السلام) بتقوى الله، فيقول: «أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّه، وأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وإِنْ بَغَتْكُمَا، ولَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا»[2].

إنّ تقوى الله رأسُ كلِّ خير، وحبَّ الدنيا والتعلّقَ بها رأسُ كلّ خطيئة، والسعيَ في طلبها والحرصَ عليها أساسُ كلّ شرّ، ومنشأُ المهالك؛ لذا يوصي أميرُ المؤمنين ولدَيه (عليهم السلام) برفضها والإعراض عنها والزهد فيها، وعدم طلبها والإقبال عليها، فلا يفرح الإنسانُ بما آتاه الله من الدنيا، ولا يأسى على ما فاته منها، فإنّها زائلة وفانية، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَلَكٌ ينادي كلَّ يومٍ ابنَ آدم: لِدْ للموت، واجمعْ للفناء، وابنِ للخراب»[3].

لهذا، زهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها ورفضها، وقد جاء في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدولَه، وهو قائمٌ في محرابه، قابضٌ على لحيتِه، يتململ تململَ السليم، ويبكي بكاءَ الحزين، ويقول: «يَا دُنْيَا، يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ؟! لَا حَانَ حِينُكِ، هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا؛ فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وأَمَلُكِ حَقِيرٌ. آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وطُولِ الطَّرِيقِ، وبُعْدِ السَّفَر،ِ وعَظِيمِ الْمَوْرِدِ!»[4].

ثمّ يكمل (عليه السلام) وصيّته قائلاً: «وقُولَا بِالْحَقِّ».

هكذا كانت سيرةُ أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان ملازماً للحقّ، وكان شعارَه في قضاياه ومجالات حياته كلِّها، وإلى هذه العلاقة يشير رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله)، ويؤكّد أنّ عليّاً (عليه السلام) قرينُ الحقّ، فيقول (صلّى الله عليه وآله): «إنّه معَ الحقّ، وإنّ الحقّ يدورُ معه حيثما دار»[5].

وبهذا يوصي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإذا أردنا أن نكون من شيعته (عليه السلام) وأتباعه، فعلينا أن نعمل بالحقّ ونقول به ونكون معه؛ إذ إنّ «الحقّ ثقيل مرّ، والباطل خفيف حلو»[6]، كما في الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وبالتالي، فإنّ الثبات على الحقّ وملازمته ليس بالأمر الهيّن، بل يحتاج إلى جهدٍ وصبر، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «اصبر على مضضِ مرارةِ الحقّ، وإيّاك أن تنخدعَ لحلاوةِ الباطل»[7]، حتّى وإنْ كان قولُ الحقّ على النفس أو فيه الهلاك، مع ذلك ثمّة حثّ وتشديد على قوله واجتناب الباطل، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال لبعض شيعتِه: «أي فلان، اِتَّقِ الله، وقلِ الحقَّ، وإن كان فيه هلاكُك، فإنّ فيه نجاتَك. أي فلان، اِتَّقِ الله، ودعِ الباطلَ، وإن كان فيه نجاتُك، فإنّ فيه هلاكَك»[8]، وقد جاء رجلٌ إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، فقال: يابنَ رسولِ الله، أخبرني بمكارم الأخلاق، فقال: «العفو عمَّن ظلمك، وصلة مَن قطعك، وإعطاء مَن حرمك، وقول الحقِّ ولو على نفسك»[9].

وإنّ أفضلَ كلماتِ الحقّ، هي تلك الّتي تكون في مواجهة الظلم والظالمين ونصرة المظلومين والمستضعفين، بل إنّها أفضلُ الجهاد كما جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر»[10].

ثمّ يقول (عليه السلام) في وصيّته: «واعْمَلَا لِلأَجْرِ».

إذ ينبغي على الإنسان أن تكون الآخرةُ أكبرَ همِّه، يفكّر في ما يترتّب على أعماله من تبعات، وليس أفضل من عملٍ يبقى أجره، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ؛ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُه وتَبْقَى تَبِعَتُه، وعَمَلٍ تَذْهَبُ مَئُونَتُه ويَبْقَى أَجْرُه»[11]. فالله تعالى أراد للإنسان المسلم دائماً أن يفكّر في مرضاته تعالى وطاعته، وأن يجعل نصب عينيه الآخرةَ وأجرَها، فهو خيرٌ للذين آمنوا، قال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[12].

ثمّ يقول (عليه السلام): «وكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ولِلْمَظْلُومِ عَوْناً».

ثمّة حقوق وواجبات تترتّب على المسلم تجاه أخيه المسلم، وتجاه الجماعة والأمّة ككلّ، وقد ربّى الإسلامُ أبناءَه على استشعار أنّهم أفرادٌ في مجموعة، وأنّهم أجزاءٌ من هذه الجماعة الكبيرة، فالمسلم بشعوره أنّه جزءٌ من الجماعة يحبّ للأجزاء الأخرى مثلَ ما يحبّ لنفسه، ومن أعظم هذه الحقوق والواجبات وجوبُ التناصر بين المسلمين، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «يقول اللهُ عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي، لأنتقمّنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمّنّ ممّن رأى مظلوماً فقدر أن ينصرَه فلم ينصره»[13]، وقد ورد الحثّ على إعانة المظلوم في العديد من الأدعية والروايات، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْه»[14]، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أحسن العدل نصرة المظلوم»[15].

لقد كانت هذه الوصيّةُ موجّهةً إلى الإمامَين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومن خلالهما إلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، إذ ينظر (عليه السلام) في ختامها إلى محمّد بن الحنفيّة، قائلاً له: «هل حفظتَ ما أوصيتُ به أخويك؟»، قال: نعم، قال: «فإنّي أوصيكَ بمثلِه»[16].

لقد رسم أميرُ المؤمنين (عليه السلام) لهذه الأمّة بوصيّته المنهجَ القويم والصراطَ المستقيم المبنيَّ على تقوى الله تعالى ورفض الدنيا والعمل للآخرة وقول الحقّ ونصرة المظلوم.

ليلة القدر
إنّ ليلةَ التاسع عشر من شهر رمضان، ليلةٌ أليمةٌ وعظيمةٌ في آن؛ أليمةٌ إذ تهدّمَت فيها أركانُ الهدى وانفصمت العروةُ الوثقى، أليمةٌ بقتل عليّ المرتضى! وعظيمةٌ بكونها إحدى الليالي الثلاث الّتي تُلتَمَس فيها ليلةُ القدر، ليلةُ تقديرِ حوادثِ السنة من الليلة إلى مثلها من قابل، من حياةٍ وموتٍ ورزقٍ وسعادةٍ وشقاءٍ وغير ذلك، كما يدلّ عليه قوله تعالى في سورة الدخان في صفة الليلة: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾[17].

عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «قَالَ مُوسَى: إِلَهِي، أُرِيدُ قُرْبَكَ. قَالَ: قُرْبِي لِمَنِ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
قَالَ: إِلَهِي، أُرِيدُ رَحْمَتَكَ. قَالَ: رَحْمَتِي لِمَنْ رَحِمَ الْمَسَاكِينَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
قَالَ: إِلَهِي، أُرِيدُ الْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ. قَالَ: ذَلِكَ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
قَالَ: إِلَهِي، أُرِيدُ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ وَثِمَارِهَا. قَالَ: ذَلِكَ لِمَنْ سَبَّحَ تَسْبِيحَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
قَالَ: إِلَهِي، أُرِيدُ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ. قَالَ: ذَلِكَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
قَالَ: إِلَهِي، أُرِيدُ رِضَاكَ. قَالَ: رِضَايَ لِمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»
[18].


[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج42، ص291.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص421، الوصيّة 47.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص131.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص480، الحكمة 77.
[5] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، ج9، ص88.
[6] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص533.
[7] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص86.
[8] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص408.
[9] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص191.
[10] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئاليّ، ج1، ص432.
[11] السيّد الرضي، نهج البلاغة، ص490، الحكمة 121.
[12] سورة يوسف، الآية 57.
[13] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج3، ص505.
[14] الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، ص166، الدعاء 38.
[15] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص113.
[16] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج42، ص245.
[17] سورة الدخان، الآيات 4 - 6.
[18] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج95، ص145.

28-03-2024 | 11-40 د | 590 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net