الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْزيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّةصناعة الإنسان الرساليّ في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاومالإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء مَن كان باذلاً فينا مهجتهعاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّةالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاوم
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاوم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التبريك بذكرى ولادة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في السابع من شهر صفر، سنة 128 للهجرة.

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[1].

أيّها المؤمنون، في السابع من شهر صفر تحلّ ذكرى ولادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، الإمام الذي عاش في زمن اشتدّ فيه بطش السلطة العبّاسيّة، وكثرت فيه الفتن والانحرافات، فكان مشروعه الأساس بناء الإنسان المؤمن الذي لا تهزّه الشبهات، ولا تكسره الضغوط، ولا تشتريه الدنيا. وقد قضى سنوات طويلة من عمره الشريف في السجون، لكنّه حوّل السجن إلى مدرسة في الصبر واليقين والعبادة.

ومَن يتأمّل في وصاياه (عليه السلام) يجد أنّها منهج لبناء الأمّة؛ لأنّ الأمّة لا تنتصر إلّا إذا انتصر الإنسان على نفسه أوّلاً، ولا تقوى على مواجهة أعدائها إلّا إذا امتلكت الوعي، والانضباط، والتقوى.

التفقّه في الدين مفتاح البصيرة
إنّ من أهمّ وصايا الإمام الكاظم (عليه السلام) قوله: «تَفَقَّهُوا في دِينِ الله، فإنَّ الفِقهَ مِفتاحُ البَصيرة، وتَمامُ العِبادة، والسَّببُ إلى المنازلِ الرَّفيعةِ والرُّتبِ الجليلةِ في الدِّينِ والدُّنيا»[2].

هذه الرواية لا تجعل من الفقه مجرّد معرفة بالأحكام الفقهيّة والتكاليف الجزئيّة، بل مفتاحاً للبصيرة، وفهماً يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل، وبين الدعاية والحقيقة، وبين المصلحة الشرعيّة والمصلحة الشخصيّة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾[3]. وهذا الفقه الذي يصنع البصيرة هو الأساس الذي تُبنى عليه سائر مراتب العبادة؛ فالمعرفة بالله وبحقائقه تسبق العمل، وتمنحه قيمته واتّجاهه الصحيح.

ومن هنا نفهم أنّ الفقه الذي دعا إليه الإمام الكاظم (عليه السلام) هو معرفة تقود إلى العبادة الواعية وإلى الثبات على الحقّ، وقد أشار الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) إلى هذه الحقيقة في تعليقه على رواية الإمام الكاظم (عليه السلام): «أفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج»[4]، فقال: «إنّ المعرفة تعني التوحيد ومعرفة الحقائق الإلهيّة، ومن بعدها يأتي انتظار الفرج»[5]؛ فانتظار الفرج يكون ثمرةَ معرفةٍ عميقة بالله، وبصيرةٍ تجعل الإنسان يعرف موقعه ومسؤوليّته في نصرة الحقّ والتمهيد للخير.

واليوم، ونحن نعيش زمن الحرب الإعلاميّة والفكريّة، حيث تُصنَع الأكاذيب كما تُصنَع الأسلحة، تصبح البصيرة جبهةً من أهمّ جبهات المقاومة؛ فكما يحتاج المجاهد إلى السلاح، يحتاج المجتمع إلى الوعي؛ لأنّ الاحتلال لا يحاول السيطرة على الأرض فقط، بل يسعى إلى احتلال العقول، وتشويه القيم، وإضعاف الثقة بالدين وبالقيادة وبالهويّة.

إدارة الوقت سرّ الإنجاز وصناعة الحضارة
ومن أعظم وصايا الإمام الكاظم (عليه السلام) قوله: «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرّم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات»[6].

هذه الوصيّة ترسم برنامجاً متوازناً للحياة، وتعلّم الإنسان أنّ قيمة الوقت لا تكمن في كثرة الساعات، بل في حسن توزيعها ومعرفة ما ينبغي أن يُنجز في كلّ وقت، ومن هنا يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «ينبغي معرفة الوقت المناسب. إذا لم يعرف المرء الوقت ولم يدرِ أيّ شيء يقوم به في أيّ وقت، فقد تصدر عنه أخطاء كبيرة»[7]، فالمشكلة ليست دائماً في قلّة الوقت، وإنّما في سوء إدارته، وعدم تقديم الأولويّات على ما سواها.

فالإنسان الناجح هو مَن يعرف كيف يوزّع وقته: ساعةً للعبادة، لأنّ القلب يحتاج إلى الاتّصال بالله، وساعةً للعمل والكسب الحلال، لأنّ الإسلام لا يريد الإنسان العاطل أو الاتّكالي، وساعةً للعلاقات الاجتماعيّة الصادقة، لأنّ المؤمن لا يعيش منفرداً، وإنّما يبني نفسه من خلال النصيحة والتعاون، وساعةً للراحة المباحة، لأنّ النفس إذا أُرهقت ضعفت عن الطاعة والعمل.

إنّ كثيراً من حالات الفشل لا تعود إلى قلّة الإمكانات، بل إلى سوء إدارة الوقت؛ ولهذا استطاع كبار العلماء أن يتركوا تراثاً علميّاً ضخماً؛ لأنّهم عرفوا قيمة الدقيقة، ولم يسمحوا للفراغ بأن يسرق أعمارهم.
واليوم، فإنّ مجتمعاتنا تواجه نوعاً جديداً من هدر الوقت، من خلال الإدمان على وسائل التواصل، والانشغال بما لا ينفع، حتّى أصبح الإنسان يقضي ساعاتٍ طويلةً في متابعة ما لا يزيده علماً ولا إيماناً ولا خبرة.
وإذا كانت المقاومة تحتاج إلى السلاح، فإنّها تحتاج أيضاً إلى الإنسان المنظَّم والمنضبط، الذي يعرف قيمة وقته ويضع كلّ عملٍ في موضعه؛ لأنّ الإنجازات الكبرى لا تصنعها الفوضى، وإنّما يصنعها الالتزام والانضباط.

التوازن بين الدنيا والآخرة بناء الشخصيّة الرساليّة
ومن وصايا الإمام الكاظم (عليه السلام): «لا تُحدِّثوا أنفسكم بفقرٍ ولا بطول عمر، فإنّه مَن حدّث نفسه بالفقر بخل، ومن حدّثها بطول العمر حرص، واجعلوا لأنفسكم حظّاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال وما لا يثلم المروءة، وما لا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنّه رُوي: ليس منّا مَن ترك دنياه لدينه، أو ترك دينه لدنياه»[8].

هذه الوصيّة تؤسّس لمبدأ الاعتدال؛ فالإسلام لا يريد الإنسان المنقطع عن الدنيا، كما لا يريد الإنسان الغارق فيها، وقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾[9]. فالمؤمن يعمل، ويبني، ويكتسب، ويعمر الأرض، لكنّه يجعل الدنيا وسيلةً لا غاية، ويستعين بها على طاعة الله وخدمة المجتمع.

وهذا هو معنى الحياة الطيّبة التي وعد الله بها المؤمنين، والتي شرحها الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) بقوله: «الحياة الطيّبة هي تلك الحياة التي تؤمَّن فيها روح الإنسان وجسمه، ودنياه وآخرته»[10]، فالإسلام لا يفصل بين بناء الإنسان روحيّاً وبنائه حضاريّاً، ولا بين السعي إلى رضوان الله والسعي إلى إعمار الأرض، بل يجعلهما طريقاً واحداً يحقّق للإنسان كرامته في الدنيا وفوزه في الآخرة؛ ولهذا نجد أنّ كثيراً من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) كانوا تجّاراً، ومزارعين، وأصحاب أعمال، لكنّهم كانوا في الوقت نفسه من خيرة المؤمنين، فلم تمنعهم دنياهم من آخرتهم، ولم تشغلهم تجارتهم عن رسالتهم.

إنّ المجتمع القويّ اقتصاديّاً أقدر على حماية استقلاله وقراره، وأقلّ عرضة للابتزاز والهيمنة؛ ولذلك فإنّ بناء الاقتصاد المنتج، وتشجيع العمل، ومحاربة الاتّكال، كلّها قيم دينيّة قبل أن تكون اقتصاديّة.

التقوى أساس كلّ مشروع إصلاحيّ
ونختم بوصيّة الإمام الكاظم (عليه السلام) لولده، وهي من أجمع الوصايا وأبلغها، إذ قال: «يا بُنيّ، إيّاك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإيّاك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجدّ، ولا تُخرجنّ نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإنّ الله لا يُعبَد حقّ عبادته، وإيّاك والمزاح فإنّه يذهب بنور إيمانك ويستخفّ مروءتك، وإيّاك والضجر والكسل فإنّهما يمنعان حظّك من الدنيا والآخرة»[11].

هذه الوصيّة تختصر حقيقة التقوى، فالتقوى ليست مجرّد ترك بعض المحرّمات، وإنّما أن يعيش الإنسان مراقبة الله في أحواله كلّها؛ أن يسأل نفسه دائماً: أين يراني الله؟ وأين يريدني أن أكون؟ وهذه وصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذرّ: «يا أبا ذرّ، اعبد الله كأنّك تراه، فإن كنت لا تراه فإنّه يراك»[12].

إنّ الإنسان الذي يستحضر رقابة الله لا يخون، ولا يغشّ، ولا يظلم، ولا يفرّط في مسؤوليّته. والأمّة التي يعيش أفرادها هذا الشعور تكون أمّة قويّة من الداخل؛ لأنّ قوّة المجتمعات لا تبدأ من كثرة العدد، وإنّما من درجة التقوى. ولذلك، فإنّ أعظم ما يحتاجه المجتمع في مواجهة التحدّيات هو الإنسان الأمين، الصادق، الصابر، المجاهد لنفسه قبل أن يجاهد عدوّه.

وقد أثبتت التجارب أنّ الشهداء الذين ثبتوا في الميدان، إنّما بدأ ثباتهم من ميادين التقوى، ومن الالتزام بطاعة الله، ومن مجاهدة النفس. فالنصر في ساحات المواجهة هو ثمرة النصر في ساحة النفس، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[13].

أيّها الأحبّة...
إنّ ذكرى ولادة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) هي دعوة عمليّة إلى مراجعة أنفسنا: هل ازددنا علماً وبصيرة؟ هل أحسنّا إدارة أعمارنا؟ هل حقّقنا التوازن بين دنيانا وآخرتنا؟ هل نعيش حقيقة التقوى في السرّ والعلن؟

إذا استطعنا أن نجعل هذه الوصايا منهجاً في بيوتنا، وفي تربية أولادنا، وفي مؤسّساتنا، وفي مجتمعنا، فإنّنا نكون قد أحيينا مدرسة الإمام الكاظم (عليه السلام) بحقّ، وساهمنا في بناء الإنسان المؤمن الذي يحفظ دينه، ويحفظ مجتمعه، ويكون أهلاً لحمل رسالة الإسلام والدفاع عن الوطن والأمّة في ساحات المواجهة كلّها.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا شفاعة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، وأن يجعلنا من السائرين على نهجه، والعاملين بوصاياه، والثابتين على ولاية محمّد وآل محمّد، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، ويمنّ على جرحانا بالشفاء، ويفرّج عن الأسرى والمظلومين، ويحفظ بلادنا وأمّتنا من كلّ سوء، إنه سميع مجيب.


[1] سورة الحشر، الآية 18.
[2] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص410.
[3] سورة التوبة، الآية 122.
[4] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص403.
[5] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/04/2020م.
[6] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص410.
[7] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 25/10/2010م.
[8] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص410.
[9] سورة القصص، الآية 77.
[10] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 15/07/2010م.
[11] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص409.
[12] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص459.
[13] سورة محمّد، الآية 7.

07-08-2026 | 16-07 د | 4 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net