وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في التاسع والعشرين من شهر صفر، سنة 203 للهجرة.
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[1].
تختصر هذه الآية الكريمة مشهداً من أشدّ مشاهد الصراع بين الحقّ والباطل، إذ تجتمع قبائل قريش وتتّفق على إنهاء حركة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، مخطِّطين لمداهمته (صلّى الله عليه وآله) وقتله، وقد أحكموا في الظاهر خطّتهم، واتّفقوا على أن يشتركوا جميعهم، فيضيع الفاعل، ولا يستطيع بنو هاشم إذ ذاك المطالبة بدمه!
لكنّ القرآن الكريم أراد أن يعلّمنا كيف ينبغي للمؤمن أن يقرأ لحظات الخطر هذه؛ فالمشكلة لا تكمن في مواجهة المِحَن، فالأنبياء والأوصياء والأولياء واجهوا البلاءات والمِحَن، بل هم أشدّ الناس في ذلك، كما عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الأمثل فالأمثل»[2]. المشكلة في أن يدخل الإنسان المحنةَ بلا إيمانٍ يحفظ بصيرته، فيتحوّل الخوف إلى يأس، والضغط إلى تراجع، والخسارة إلى انهيار.
من هنا، نلتقي اليوم مع ذكرى هجرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في فراشه في الأوّل من ربيعٍ الأوّل، ومع ذكرى شهادة الإمام الرضا (عليه السلام) في الآخر من صفر. وقد تبدو المناسبتان متباعدتين في الزمان والظروف، لكنّهما تلتقيان في حقيقة واحدة، مفادها ترجمة الإيمان المعقود في القلب إلى موقف وثبات عند الامتحان والبلاء، وقد لخّص الإمام الرضا (عليه السلام) هذه الحقيقة بكلمات بالغة الدلالة، حين قال: «الإيمانُ أربعةُ أركان: التوكّلُ على الله، والرضا بقضاءِ الله، والتسليمُ لأمرِ الله، والتفويضُ إلى الله»[3].
التوكّل ثقةٌ بالله مع القيام بالمسؤوليّة
أيّها المؤمنون،
إنّ أوّل أركان الإيمان التي ذكرها الإمام الرضا (عليه السلام) هو التوكّل على الله. والتوكّل لا يعني التوقّف عن التخطيط والعمل، وانتظار النتائج من غير أسباب، فهذا ليس توكّلاً، بل هو تعطيلٌ للمسؤوليّة.
لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعلم أنّ قريشاً تريد قتله، ومع ذلك لم يقل: أنا متوكّل على الله، وسأبقى في مكّة، بل أخذ بالأسباب، وخرج في الوقت المناسب، واختار طريق الهجرة، واستعان بالدليل، ومكث في الغار، ورتّب وسائل الوصول إلى المدينة؛ ففي الرواية أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا عليّاً (عليه السلام)، وقال له: «يا عليّ، إنّ الروحَ هبط عليَّ بهذه الآية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، يخبرني أنّ قريشاً اجتمعوا على المكر بي وقتلي، وأنّه أوحى إليَّ ربّي عزّ وجلّ أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وأنّه أمرني أن آمرك بالمبيتِ على مضجعي، ليخفى بمبيتك عليه أثري»[4].
فالتوكّل الحقيقيّ كما يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «لا يعني أن تترك العمل وتجلس جانباً ليقوم الله بإنجازه بدلاً عنك، وإنّما التوكّل هو أن تسير، وتعمل عملاً دؤوباً، وتبذل جهدك، ثمّ كن على يقينٍ بأنّ الله سيكون في عونك»[5].
وهذا المعنى هو ما أشارت إليه السنّة النبويّة، إذ رُوي أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سائلاً عن الناقة: يا رسولَ الله، أعقلها وأتوكّل، أو أُطْلِقها وأتوكّل؟ قال: «اعقلها وتوكّل»[6]، ورُوي أيضاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى قوماً لا يزرعون قال: «ما أنتم؟»، قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: «لا، بل أنتم متّكلون»[7].
إنّ هذا المعنى مهمّ جدّاً في زماننا؛ ففي المنطقة اليوم، وفي لبنان خصوصاً، يعيش الناس وسط واقع شديد التعقيد: تهديدات عسكريّة، تدمير، اعتداءات، ضغوط سياسيّة، أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة، ومحاولات مستمرّة لإعادة رسم موازين المنطقة. وقد شهد لبنان في المدّة الأخيرة استمرار التوتّر والعمليّات العسكريّة، بالتزامن مع مسارات تفاوضيّة ومحاولات لفرض ترتيبات جديدة على المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، هناك خطآن متقابلان: الخطأ الأوّل أن يظنّ الإنسان أنّ العدوّ أقوى من كلّ شيء، فيستسلم للخوف. والخطأ الثاني أن يتصوّر أنّ التوكّل يعني الاستهانة بالواقع، وعدم قراءة موازين القوى، وعدم التخطيط والاستعداد.
إنّ الإسلام لا يعلّمنا هذا ولا ذاك، إنّ القرآن الكريم يقول لنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[8]، ثمّ يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾[9]، فالإعداد لا يناقض التوكّل، بل هو جزء منه.
ومن أهمّ دروس الهجرة النبويّة، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يواجه مكر قريش بالاستهانة، بل واجهه بالتخطيط الهادئ. كان العدوّ يبحث عنه، والنبيّ يغيّر مسار الحركة. العدوّ يراقب الطريق، والنبيّ يسلك طريقاً آخر. العدوّ ينتظر خروجه من مكّة، وهو يخرج في خطّةٍ محسوبة... وهنا درس بالغ الأهمّيّة: الإيمان لا يُلغي العقل، والتوكّل لا يُلغي التخطيط، والثقة بالله لا تعني إهمال الأسباب.
وفي حياة الإمام الرضا (عليه السلام)، حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليفته، نجد المعنى نفسه؛ فلم يكن (عليه السلام) منعزلاً عن حركة المجتمع، ولا كان قبوله مُكرَهاً بولاية العهد قبولاً بالظلم أو سكوتاً عن انحراف السلطة، بل عاش في مرحلة سياسيّة شديدة التعقيد، وواجه مشروع المأمون العبّاسيّ، وحافظ على استقلال موقفه، ولم يسمح للسلطة بتحويل وجوده إلى شرعيّة لها، ولا أن توظِّف مكانته في تثبيت حكمها، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ المأمون في هذه المقامرة الكبرى، فضلاً عن أنّه لم يحصل على شيء، فإنّه فقد مكاسب كثيرة، وكان على طريق خسارة ما تبقّى له. بعد مُضيّ سنة على تسلّم الإمام (عليه السلام) ولاية العهد... شعر المأمون بالهزيمة والخسارة»[10].
مبيت أمير المؤمنين... عندما يتحوّل الإيمان إلى تضحية
أيّها المؤمنون،
إذا كان التوكّل هو ثقة القلب بالله، فإنّ مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقدّم لنا الوجه العمليّ لهذا الإيمان. فقد كان (عليه السلام) يعلم أنّ الرجال القادمين إلى بيت النبيّ لم يأتوا لزيارته، بل خطّطوا لقتله، وأنّ مَن ينام في الفراش قد يتعرّض للقتل. ومع ذلك، بات (عليه السلام) في فراشه (صلّى الله عليه وآله)، وكان همّه الأساس ما أعرب عنه لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسؤاله: «أوَتسلم بمبيتي هناك يا نبيَّ الله؟»[11].
لقد باع أميرُ المؤمنين (عليه السلام) نفسَه، وهو يبتغي رضوانَ الله تعالى، وإن كلّفه ذلك إزهاقَ روحه المباركة، ويكفي ذكر ما أنزله الله تعالى في هذه الواقعة بحقّه (عليه السلام)، إذ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾[12].
إنّ هذا من أرفع معاني التضحية، إذ كان (عليه السلام) يعرف أنّ حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرتبطة بمستقبل الرسالة، وأنّ التضحية بنفسه في تلك اللحظة تعني حماية مشروع الإسلام من الاغتيال.
وفي زمننا، نحن بحاجة إلى استعادة هذا المعنى، فالتضحية الحقيقيّة تعني أن يسأل الإنسان نفسه:
ماذا أقدّم عندما يحتاج الحقّ إلى موقف؟
هل أكون حاضراً عندما تكون الكلفة عالية، أم أكون من أصحاب المواقف التي لا تكلّف شيئاً؟
هل أتمسّك بالمبدأ عندما يُصفَّق لي، أم عندما أُحاصَر وأُنتقَد وأُهدَّد؟
إنّ المرء قد يكون شديد الكلام على الصبر، حتّى تأتيه لحظة تحتاج إلى الصبر. وقد يتحدّث عن الثبات، حتّى يأتيه الامتحان الذي يحتاج إلى ثبات. وقد يُكثِر من الحديث عن الحقّ، حتّى يصبح الوقوف مع الحقّ مكلفاً. وهناك يظهر الفرق بين الإيمان كفكرة، والإيمان كموقف.
إنّ الهجرة نفسها بدأت في ظاهرها وكأنّها تراجع: خروج من مكّة، وترك الوطن، والابتعاد عن البيئة التي نشأ وعاش فيها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لكنّها لم تكن هزيمة، بل كانت إعادة تموضعٍ لخدمة الرسالة، وهذا فارق جوهريّ؛ إذ ليس كلّ انسحاب هزيمة، كما أنّ ليس كلّ تقدّم نصراً.
قد يخرج المؤمن من مكان ليحفظ مشروعاً أكبر، وقد يصبر في مرحلة ليبني مرحلة أخرى، وقد يغيّر الأسلوب، من دون أن يغيّر الهدف، وهذه من أهمّ دروس الهجرة.
لقد بدأت قريش خطّتها وهي تظنّ أنّها أحكمت المكر، لكنّ الهجرة انتهت إلى بناء الدولة. وأراد المأمون أن يحاصر الإمام الرضا (عليه السلام) بولاية العهد، فتحوّلت ولاية العهد نفسها إلى مناسبة لكشف مشروعه. وبين هذا وذاك يتعلّم المؤمن أن لا يقرأ الأحداث بعين اللحظة؛ لأنّ ما يبدو في ظاهره انكساراً قد يكون بدايةً لتحوّل، وما يبدو في ظاهره قوةً قد يكون مقدّمةً للسقوط، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
[1]سورة الأنفال، الآية30.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص252.
[3] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص445.
[4] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص465.
[5] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 2016/05/23م.
[6] الترمذيّ، السنن، ج1، ص144.
[7] الشيخ الطبرسيّ، مستدرك الوسائل، ج2، ص288.
[8] سورة الأنفال، الآية 60.
[9] سورة الطلاق، الآية 3.
[10] الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، إنسان بعمر 250 سنة، ص350.
[11] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص465.
[12]سورة البقرة، الآية 207.









