الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
العدل خُلُق المنتظرينفَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ...وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواأَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣) الخطاب الثقافي (رقم ٢) الخطاب الثقافي (رقم ١) شهادة الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ...
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ...

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) في الثامن من ربيع الأوّل، سنة 260 للهجرة.

قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[1].

إنّ العقيدة المهدويّة لَهي إيمانٌ بأنّ الظلم ليس قدراً نهائيّاً، وأنّ الباطل مهما امتلك من القوّة والنفوذ فإنّ له نهاية، وأنّ لله تعالى سنناً في تداول الأيّام وانتصار الحقّ؛ ولذلك فإنّ الأمل في العقيدة المهدويّة هو طاقة إيمانيّة تحفظ الإنسان من اليأس، وتدفعه إلى الصبر والعمل والاستعداد، وفي بيان ذلك يشرح الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) مفهوم الانتظار، فيقول: «الانتظار يعني أنّه لا بدّ من مجيء يدٍ قادرةٍ مقتدرةٍ ملكوتيّةٍ إلهيّةٍ، تستعين بهؤلاء الناس من أجل القضاء على سيطرة الظلم، ومن أجل غلبة الحقّ، وحاكميّة العدل في حياة البشريّة، ورفع راية التوحيد؛ تجعل البشر عباداً حقيقيّين لله. يجب الإعداد لهذا الأمر؛ فكلّ إقدامٍ على طريق استقرار العدالة يُمثّل خطوةً نحو ذلك الهدف الأسمى»[2].

الأمل ثقةٌ بوعد الله
حين يتأمّل المؤمن في مسار التاريخ، قد يبدو له أحياناً أنّ قوّة الظالمين واتّساع نفوذهم تجعل التغيير أمراً بعيداً، وأنّ استعادة الحقّ تحتاج إلى ما يفوق قدرة المستضعفين، لكنّ القرآن الكريم يقدّم لنا رؤية مختلفة؛ فلا يقيس مستقبل الحقّ بميزان القوّة الظاهرة، بل بميزان الوعد الإلهيّ وسُنن الله في الحياة، فيقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهذه الآية الكريمة تكشف عن إرادةٍ إلهيّةٍ تجعل الاستضعاف مرحلةً لا مصيراً، وتجعل استعلاء الظالمين وضعاً قابلاً للزوال، وتفتح للمستضعفين أفقاً يتجاوز ما تفرضه موازين القوّة في لحظةٍ من لحظات التاريخ، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «المستضعَف هو الوريث الكامن للعالم، خليفة الله الكامن على الأرض، والإمام والقائد الكامن لعالم البشريّة»[3].

ومن هنا نفهم النهي القرآنيّ عن اليأس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[4]؛ إذ إنّ اليأس قد يتحوّل إلى رؤيةٍ حياتيّة تُفقِد الإنسان قدرته على الصبر والمقاومة والعمل؛ فإذا أقنع نفسه بأنّ الواقع لن يتغيّر، تراجع عن مسؤوليّته، واستسلم للظلم، وربّما تحوّل من مقاومٍ له إلى متكيّفٍ معه.

لذلك، فإنّ الأمل الذي يصنعه الإيمان بالله تعالى وبوعده، يحفظ للإنسان قدرته على العمل في أصعب الظروف؛ لأنّه لا يرى في شدّة البلاء دليلاً على غياب الفرج، ولا في قوّة الباطل دليلاً على انتصاره النهائيّ، وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك بقوله لأبي ذرّ: «واعلم أنّ استعفاءك البلاء من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدعِ اليأس والجزع، وقل: حسبي الله ونعم الوكيل»[5].

شهادة الإمام العسكريّ وبداية الغَيبة
وتكتسب قيمة الأمل المهدويّ دلالةً أعمق عند استحضار شهادة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)؛ إذ شكّلت شهادته منعطفاً كبيراً، دخلت معه إمامة أهل البيت (عليهم السلام) مرحلةً جديدة، هي مرحلة الغَيبة، بانتقالها إلى ولده الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه).

وقد حرص الإمام العسكريّ (عليه السلام)، في ظلّ الرقابة العبّاسية المشدّدة، على تعريف خواصّ شيعته بولده، وإثبات إمامته، وتهيئة المؤمنين للمرحلة التي سيغيب فيها عن الأنظار، ومن الروايات الواردة عنه (عليه السلام) في ذلك: «هذا صاحبُكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتدّ إليه الأعناقُ بالانتظار؛ فإذا امتلأتِ الأرضُ جوراً وظلماً، خرج، فملأها قسطاً وعدلاً»[6].

وهنا تظهر أهمّيّة هذه المرحلة في فهم معنى الانتظار؛ فالإمام العسكريّ (عليه السلام) لم يترك شيعته أمام غَيبة مفاجئة بلا توجيه، بل وجّههم إلى ما يحتاجون إليه في زمن الغَيبة: الصبر، والثبات، وانتظار الفرج. ومن أبرز ما ورد عنه في هذا المجال رسالته إلى أبي الحسن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، والد الشيخ الصدوق، إذ كتب إليه وصيّة طويلة، وممّا جاء فيها: «عليك بالصبر وانتظار الفرج»، ثمّ بيّن ارتباط هذا الانتظار بظهور ولده، فقال: «ولا يزال شيعتنا في حزن حتّى يظهر ولدي الذي بشّر به النبيّ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً»، ثمّ ختم وصيّته قائلاً: «فاصبر يا شيخي، يا أبا الحسن عليّ، وأمر جميع شيعتي بالصبر ف ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[7]، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على محمّد وآله»[8].

واللافت في هذه الرسالة أنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) لا يربط الانتظار بمجرّد الترقّب، بل يربطه بالصبر؛ لأنّ الغَيبة تعني امتداد زمن الانتظار، وطول الزمن قد يكون مدخلاً للشكّ أو اليأس أو التراجع؛ لذلك كان المطلوب من الشيعة أن يحافظوا على ثباتهم أمام غياب الإمام، وأن يثقوا بأنّ غياب الحجّة عن الأبصار لا يعني غيابه عن الحياة، وأنّ تأخّر الظهور لا يعني تأخّر الوعد الإلهيّ.

الانتظار ليس قعوداً بل مسؤوليّة
من هنا، فإنّ شهادة الإمام العسكريّ (عليه السلام) ينبغي أن تُقرأ بوصفها بداية مسؤوليّة جديدة على المؤمنين: أن يحفظوا الإيمان بالإمام الغائب، وأن يصبروا على طول الطريق، وأن يجعلوا انتظارهم انتظاراً واعياً لا قعوداً سلبيّاً.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من روح الله، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ انتظار الفرج ما دام عليه العبد المؤمن»[9]، فلماذا كان الانتظار من أحبّ الأعمال؟ لأنّه انتظارٌ مقرون بالإيمان والصبر والاستعداد. ومَن ينتظر دولة العدل لا يصحّ أن يكون ظالماً في بيته، ومَن ينتظر إماماً يقيم القسط لا يصحّ أن يبرّر الظلم إذا وافق مصلحته، ومَن ينتظر مجتمعاً تسوده التقوى لا يصحّ أن يساهم في الفساد، ثمّ يتحدّث عن زمن الإصلاح، وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن سرّه أن يكون من أصحاب القائم فَلْينتظر، وَلْيعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر»[10]، وهذا الحديث يحدّد معنى الانتظار بوضوح: «لِينتظر، وليعمل»، فانتظار الإمام يكون ببناء الإنسان الذي يصلح أن يكون من أنصاره.

من ضيق المحنة إلى وعد الفرج
ختاماً، إنّ الإيمان بالفرج لا يعني إنكار الألم، فالقرآن نفسه يحدّثنا عن سنّة الابتلاء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[11].

فالفرج في المنطق القرآنيّ لا يعني غياب المحن، بل يعني ألّا تتحوّل المحنة إلى هزيمة ويأس. قد يشتدّ الضيق، وتتراكم الأزمات، ويبدو الباطل أقوى من الحقّ، لكنّ المؤمن لا يبني موقفه على ما تراه عيناه في لحظة واحدة، بل على ثقته بوعد الله؛ ولهذا ارتبط الانتظار بالصبر، يقول الإمام الرضا (عليه السلام): «ما أحسن الصبر وانتظار الفرج! أما سمعتَ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾[12]، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾[13]، فعليكم بالصبر، فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس...»[14].


[1] سورة القصص، الآية 5.
[2] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 17/08/2008م.
[3] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 27/11/2019م.
[4] سورة يوسف، الآية 87.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص207.
[6] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص431.
[7] سورة الأعراف، الآية 128.
[8] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص527.
[9] الشيخ الصدوق، الخصال، ص616.
[10] ابن أبي زينب النعمانيّ، الغَيبة، ص207.
[11] سورة البقرة، الآية 214.
[12] سورة هود، الآية 93.
[13] سورة الأعراف، الآية 71.
[14] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص645.

18-08-2026 | 18-54 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net