الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌفَآوَىرسول الله نورٌ في دياجي الظلماتالعدل خُلُق المنتظرينفَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ...وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواأَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[1].

تضع هذه الآية الكريمة التسليمَ لله تعالى في صميم حقيقة الإيمان، وتربط كمال الإيمان بموقف القلب من حُكم الله وأمره؛ إذ تبدأ الآية بتحكيم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما يقع بين الناس من اختلاف، ثمّ تنتقل إلى أعمق من مجرّد قبول الحكم؛ إلى انشراح الصدر له، واستقرار القلب عنده، ثمّ إلى التسليم التامّ لأمر الله تعالى.

من هنا، فإنّ الحديث عن الرضا والتسليم لله تعالى يتّصل بجوهر علاقة الإنسان بربّه: كيف يتعامل مع أمرٍ إلهيّ يخالف رغبته، ومع قضاءٍ يجري خلاف توقّعه، ومع ابتلاءٍ يختبر صبره ويقينه. وفي هذه المواقف تحديداً يظهر عمق الإيمان، وتتبيّن حقيقة التسليم.

التسليم عنوان الإيمان
وقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام): بِأيّ شيءٍ عَلِم المؤمن أنّه مؤمن؟ فقال: «بالتسليم لله، والرضا بِما وَرَد عليه مِن سُرورٍ وسَخَط»[2].

لقد جعل الإمام (عليه السلام) التسليم لله علامةً تكشف حقيقة الإيمان في قلب العبد؛ لأنّ المؤمن ينطلق في علاقته بربّه من مقام العبوديّة، فينقاد لأمره، ويثق بحكمته، ويستقبل ما يجري عليه من أحوال الحياة بقلبٍ مستسلمٍ لحكم الله، راضياً بما يقدّره له. ويؤكّد أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً هذه المنزلة، فيقول: «الإيمان أربعة أركان: الرضا بقضاء الله، والتوكّل على الله، وتفويض الأمر إلى الله، والتسليم لأمر الله»[3]. فالتسليم، بهذا المعنى، ركنٌ من أركان الإيمان، وقِوامٌ في علاقة العبد بربّه؛ إذ يضع أمر الله في موضعه الذي يليق به من القلب، ويجعل العبوديّة أساس الموقف حين تتقابل إرادة الإنسان مع ما يريده الله تعالى. وقد أشار الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) إلى هذه المعنى حين قال: «واتّجهوا إلى الإخلاص والتسليم، فهما معالم العبوديّة الحقيقيّة»[4]. فالتسليم ليس مجرّد موقفٍ عابر أمام حدثٍ لا نملك دفعه، وإنّما هو معلمٌ من معالم العبوديّة، يظهر في أن يجعل الإنسان إرادته خاضعةً لما يريده الله تعالى.

التسليم تهذيبٌ للإرادة
وإذا كان التسليم من علامات الإيمان، فإنّ حقيقته تظهر في علاقة الإنسان بإرادته؛ فالإنسان يميل بطبيعته إلى ما يوافق رغبته، ويقيس الأمور بما يعرفه من حاضرها ومظاهرها، بينما ينظر الله تعالى إلى الأمر بعلمه المحيط وحكمته الشاملة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى داوود (عليه السلام): يا داوود، تُريد وأُريد، ولا يكون إلّا ما أُريد. فإنْ أسلمْتَ لِما أُريد أَعطيْتُك ما تريد، وإنْ لَمْ تُسلِّم لِما أُريد أتعبْتُك في ما تُريد، ثمّ لا يكون إلّا ما أُريد»[5].

فالتسليم هنا يربّي الإنسان على تهذيب إرادته؛ فيتعلّم أن يجعل مراده تابعاً لمراد الله، وأن يزِن رغباته بميزان العبوديّة، وأن يثِق بأنّ علم الله أوسع من علمه، وحكمته أعمق من نظره إلى الأحداث. وهذا المعنى يتجلّى في موقف إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، إذ يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[6]. لقد بلغ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في التسليم مرتبةً قدّم فيها أمر الله على أشدّ تعلّقاته الإنسانيّة، والنبيّ إسماعيل (عليه السلام) قابل الأمر بروحٍ عرفت ربّها، فكان جوابه: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.

الرضا ثمرة التسليم
وحين يستقرّ التسليم في القلب، تظهر ثمرة أخرى من ثماره، هي الرضا بقضاء الله تعالى. فالتسليم يتعلّق بقبول أمر الله والانقياد له، أمّا الرضا فيتعلّق بما يجري على الإنسان في حياته من أقدار وأحوال، ولا سيّما حين يأتي القضاء على خلاف ما تشتهيه النفس، وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) منزلة الرضا بقضاء الله بقوله: «واعلَموا أنّه لن يؤمن عبدٌ مِن عبيده حتّى يرضى عن الله في ما صنعَ الله إليه وصنَع به، على ما أَحَبَّ وكرِه»[7].

فهنا تبلغ العبوديّة مرتبةً أعمق؛ إذ يكون القلب متعلّقاً بالله تعالى في السرور والحزن، في الرخاء والشدّة، ويرى في قضاء الله مجالاً لحسن الظنّ به والثقة بحكمته. فالرضا يُعلِّم الإنسان أن يتعامل مع ما يقدّره الله له بقلبٍ مستقرّ، وأن يحفظ إيمانه حين تتبدّل الأحوال، وأن يبقى حسن الصلة بربّه في السعة والضيق؛ ولهذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله»[8]؛ فالرضا ثمرة معرفة الله؛ وكلّما عرف العبد ربّه، وعرف علمه وحكمته ورحمته، اتّسع صدره لما يجري عليه، وأصبح القضاء الإلهيّ باباً لمزيدٍ من القرب والثقة بالله.

وهذا المعنى يكتسب أهمّيّة خاصّة في أوقات المحن والقلق؛ حين يعيش الإنسان ظرفاً يجهل مآلاته، ويواجه أحداثاً أكبر من قدرته على التقدير. عندها تظهر حقيقة الرضا: أن يبقى القلب معلّقاً بالله، ثابتاً على الإيمان، مستمدّاً سكينته من الثقة بربّه.

حين يبلغ الرضا ذروته
وإنّ خير شاهدٍ على مقام الرضا والتسليم كربلاء الإمام الحسين (عليه السلام)؛ ففيها ظهر الرضا بالله في أشدّ ساعات البلاء، وتجسّد التسليم لأمره في موقفٍ اجتمعت فيه قسوة المصاب مع عظمة الثبات. لقد مضى الإمام الحسين (عليه السلام) في طريقه حاملاً تكليفه، حتّى بلغ كربلاء، واجتمع عليه البلاء من كلّ جانب، ومع ذلك بقي قلبه متّصلاً بالله، وبقيت الغاية التي تحكم موقفه هي رضا الله تعالى، وهو القائل (عليه السلام): «رضا الله رضانا أهل البيت؛ نَصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين»[9]، فهذه الكلمة تختصر مقام الرضا: رضا الله هو الغاية، والصبر على البلاء طريق، والتسليم لأمر الله ثمرة اليقين.

أيّها المؤمنون، إنّ الحديث عن الرضا والتسليم في بيئتنا اليوم له معنى خاصّ؛ لأنّ هذه البيئة عاشت خلال السنوات الماضية امتحاناً قاسياً، وقدّمت في سبيل ما آمنت به تضحياتٍ كبيرة: شهداء، وجرحى، وبيوتاً وممتلكات تضرّرت، وأرزاقاً تعطّلت، وعائلات عاشت مرارة النزوح والتهجير، وقرى ومناطق دفعت أثماناً باهظة وثقيلة.
 
وإذا كان الرضا بالله يظهر عند الشدائد، فإنّ ما قدّمته هذه البيئة من صبر وتحمّل وثبات يشهد على عمقٍ كبير من الرضا والتسليم لله تعالى، وعلى استعدادٍ لحمل أثمان الموقف والصبر على تبعاته. وقد بقيت في وجدان الناس معاني الصبر والاحتساب والرجاء بالله، برغم ثقل الخسائر وقسوة الظروف.

واليوم، ونحن نعيش أجواءً متوتّرة وقلقة، وتحيط بنا احتمالات التصعيد، ويعود القلق من إمكان اتّساع الحرب إلى النفوس والبيوت، تأتي مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) لتمنحنا المعنى الذي نحتاج إليه: أن يكون القلب مع الله حين تضطرب الظروف، وأن يبقى الإنسان ثابتاً حين يشتدّ الخوف، وأن يحفظ رجاءه بالله مهما ثقلت الأيّام.

وفي هذه المرحلة، تبقى مسؤوليّتنا تجاه أهلنا ومجتمعنا حاضرة: نرعى عائلاتنا، ونقف إلى جانب المتضرّرين، ونواسي أهل المصاب، ونحفظ كرامة النازح، ونساعد من فقد بيته أو رزقه، ونتثبّت من الأخبار، ونبتعد عن الشائعات التي تزيد الخوف والاضطراب، ونحفظ وحدة الناس وتماسكهم.

أيّها المؤمنون، لقد علّمتنا كربلاء أنّ الرضا بالله يصنع قلباً قادراً على حمل البلاء، وأنّ التسليم لله يصنع إنساناً ثابتاً في ساعة الامتحان، وهذا هو المعنى الذي نحتاج إليه في هذه الأيّام: ثقة بالله، وصبر على البلاء، وثبات على الحقّ، ورحمة بالناس، ورجاء بفرج الله.

﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾[10]،

 وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


[1] سورة النساء، الآية 65.
[2]  البرقيّ، المحاسن، ج2، ص328.
[3]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص56.
[4] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ  26/10/2011م.
[5]  العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج5، ص104.
[6] سورة الصافّات، الآية 102.
[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص8.
[8] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص60.
 [9] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج44، ص367.
[10] سورة الأعراف، الآية 126.

03-09-2026 | 10-34 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net