الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1487 19 ربيع الثاني 1443 هـ - الموافق 25 تشرين الثاني2021م

التوبة

ذكر الله أساس العملثَوبُ الحَياءكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظله) في لقاء مع النخب وأصحاب المواهب المتفوّقةسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقبات

 
 

 

التصنيفات

منبر المحراب- السنة الخامسة عشرة- العدد: 819 - 7 صفر 1430هـ الموافق 3 شباط 2009م
الوعي الديني والتقوى (الخوارج نموذجاً)

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

محاور الموضوع الرئيسة:
- قيمة التقوى والوعي
- التقوى قاعدة بناء المجتمع
- ضعف التقوى هو العنصر الأهم لرفض القتال
- التحكيم وقتال الخوارج بنظر علي عليه السلام
- الميزان بين دعوى التديّن، والوعي والتقوى

الهدف:
التعرّف الى قيمة الوعي والتقوى وارتباطهما بالإيمان والعمل من خلال ظاهرة الخوارج.

تصدير الموضوع:

قال الإمام علي عليه السلام: «أمّا بعد، فانّي أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم، وإليه يكون معادكم، وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهى رغبتكم، ونحوه قصد سبيلكم، وإليه مرامي مفزعكم، فإن تقوى الله دواء داءِ قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء غشاء أبصاركم،..."1

1- قيمة التقوى والوعي
اعلم أن التقوى من "الوقاية" بمعنى المحافظة. وهي في العرف وفي مصطلح الأخبار والأحاديث تعني: "وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه" وكثيراً ما عرفت بأنها" حفـظ النفس حفظـاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات فقد قيـل: "وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبَهاتِ وَقَعَ فِي المُحَرَّماتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ"2 "فـَمـَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمى أوشِكَ أَنْ يَقَعَ فيهِ"3. ولا بُدَّ أن نعرف أن التقوى، وإن لم تكن من مدراج الكمال والمقامات، ولكن لا يمكن بدونها بلوغ أي مقام، وذلك لأن النفس ما دامت ملوّثة بالمحرمات، لا تكون داخلة في الإنسانية، ولا سالكة طريقها، وما دامت تميل إلى المشتهيات واللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات الكمال الإنساني.4

فالتقوى هي الالتزام الداخلي بالإسلام عقيدةً وشريعة النابع عن القناعة التامة، وتذليل الشهوات عن طريق الإرادة الصلبة والوعي الكافي، وهي ليست مجرد عمل، وإنما عمل وراءه التزام وتعهد وتحمّل مسؤولية، وليست هي مجرد التزام، فقد يلتزم الإنسان بشيء تأدّباً، إنما يجب أن يكون التزاماً نابعاً من الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبالرسالة. قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً5

فالتقوى هي التي تعطي الإنسان الوعي والوضوح، وتجعل الروح الإنسانية تفيض بشمس الحقيقة وتتعرّف الى الحقائق بصورتها الناصعة، كما أنّ الوعي يعطي للإنسان التقوى، أي أنّ لكلّ من التقوى والوعي تأثيراً متبادلاً بعضهما على البعض الآخر، وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله: "لا دين مع هوى لا عقل مع هوى من اتّبع هواه أعماه وأصمّه، وأذلّه وأضلّه"6.

2- التقوى قاعدة بناء المجتمع
تشكل التقوى حجر الأساس في بناء المجتمع الإسلامي، وهي الجذر الذي تتفرع عنه كل برامج ومناهج هذا المجتمع، ولهذا لا بد من معرفة دور التقوى و تسليط الضوء على عدة أمور أساسية حولها منها:

الأول: دور التقوى في إعطاء الحيوية والفاعلية للمجتمع.
الثاني: العلاقة بين التقوى والعمل.
الثالث: دور التقوى في تحصين المجتمع الإسلامي ضد الانحراف.
الرابع: كونها سبب رسالية المجتمع وركيزته: فإذا انتزعنا التقوى من مجتمعٍ ما، فلن يكون هذا المجتمع إسلامياً ورسالياً. وتمثّل التقوى أيضاً الأرضية الصلبة التي يبني عليها الإسلام الكيان الاجتماعي.

فإن أي مجتمع لا يمكن أن يعيش قيماً شتى، وإنما يعيش قيمة واحدة تكون محوراً له. المجتمع الذي يعيش أهله قيمة الجاه والحسب والقوة فأقربهم إلى العشيرة الفلانية وأقواهم هو سيّدهم، ولكنّ المجتمع الإسلامي يعيش قيمة التقوى، لذلك تكون هذه القيمة هي إمام المجتمع، ويكون أتقى الناس هو سيّد الناس، وحينما يكون الأمر كذلك تكون قيادة هذا المجتمع قيادة نظيفة مائة بالمائة. في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر قال: "عليك بتقوى الله فإنّه رأس الأمر كله"7، و عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله عز وجل أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله عز وجل أخافه الله من كل شيء"8.

فالتقوى هي القاسم المشترك لكل التوجيهات والتعاليم الرسالية، وإذا انتزعنا التقوى من مجتمع ما فلن يكون هذا المجتمع إسلاميا ورساليا. حتى لو طبّق القوانين الإسلامية، لأن التطبيق الخالي من الروح (التقوى) هو تطبيق أجوف.

3- ظروف ظهور الخوارج
الخوارج: فرقة ظهرت في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وبالتحديد في مناسبة حرب صفين، التي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الخليفة الشرعي، من جهة، وبين معاوية بن أبي سفيان، الرجل الباغي الذي كان يحاول الاستئثار بأمر الأمة لنفسه، من جهة أخرى. وكان ظهورهم العلني بعد خدعة رفع المصاحف في تلك الحرب، من قبل جيش معاوية، بمشورة من عمرو بن العاص، بعد أن اتضح بما لا يقبل الشك حتمية هزيمة جيش الشام، لو استمرت الحرب.

وقد أحدثت هذه الخدعة زلزالاً في جيش الإمام علي عليه السلام، حيث أدت إلى إجابة أكثر ذلك الجيش إلى حكم المصحف على حد تعبيرهم  وبقي عليه السلام مع أهل بيته عليه السلام في عدة يسيرة، يواجهون تهديدات أولئك الانفصاليين بنفس المستوى أو أشد من التهديد الذي كان يواجههم به جيش أهل الشام.

ولم يكن الإمام عليه السلام ليلقي بهذه الصفوة إلى التهلكة، كما ذكرعليه السلام في احتجاجه على "الخوارج" حين قال لهم: ".. وأما قولكم: إني لم أضربكم بسيفي يوم صفين، حتى تفيئوا إلى أمر الله، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ9 وكنتم عدداً جماً، وأنا وأهل بيتي في عدة يسيرة"10.

4- ضعف التقوى هو العنصر الأهم لرفض القتال
عندما نتتبّع تركيبة تلك الفئة التي رفضت القتال، وخرجت على الخليفة الشرعي وقاتلته نجد أنهم وإن تعدّدت أسباب انحرافهم - يشتركون جميعاً في السبب المباشر لذلك وهو ضعف الإيمان والتقوى في نفوسهم، الذي يرتبط بمستوى الوعي المطلوب لاتخاذ المواقف الصحيحة ولا سيما في المواقف الحساسة والمصيرية، وهذا ما يشير إليه الإمام علي عليه السلام بقوله: "التقوى سنخ الإيمان"11، أي إن الإيمان الذي لا يثمر التقوى لا خير فيه أبداً. فالإيمان هو الذي يعطيك التقوى، أمّا إذا رأيت نفسك مؤمناً بدون تقوى فلا بد أن تشك في إيمانك.

ولهذا كان بين تلك الجماعة عناصر كثيرة تتظاهر بالتدين وتتلبّس ببعض مراسم وشكليات المؤمنين، إلا أنها كانت مدسوسة وترى أن من مصلحتها تحريك الحوادث في هذا الاتجاه، أو ذاك... أو أنها تدّعي عدم فهم الموقف الصحيح والرسالي له صلى الله عليه وآله وسلم، ووقعت بالفعل تحت تأثير خدعة المصاحف، وشكّت في صحة القتال بسبب ذلك، وقد يكون ثمة فئة ثالثة قد قبلت التحكيم من موقع إحساسها بالضعف، والتخاذل والسأم من الحرب، ولكن مما لاشك فيه هو: أن فئة "الخوارج" كانت في جملة الفريق الرافض للقتال، بل هذا هو العنصر الأساس في خروجهم على أمير المؤمنين عليه السلام.

5- التحكيم وقتال الخوارج بنظر علي عليه السلام
عندما قبل علي عليه السلام بالتحكيم، تحت ضغط شبح الفتنة التي ظهرت ملامحها في جيشه، وكان عليه أن يمنع من وقوعها، فإنه قبل بالتحكيم الذي لو التزم الحكمان بشروطه، وفق ما يفرضه عليهما الواجب الشرعي, لكانت نتيجته هي إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وذلك يعني ظهور علي عليه السلام وظهور سلطانه ونصره، وخذلان معاوية وخطه الانحرافي واندحاره، وبوار حجته، ولذلك نجد علياً عليه السلام يقول لأبي موسى بثقة وحزم: "أحكم بالقرآن، ولو في حز عنقي"12. وقال في خطبته لما استوى الصفان بالنهروان: "وأخذت على الحكمين فاستوثقت، وأمرتهما أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فخالفا أمري الخ.." 13

وعندما ننظر إلى أهداف علي عليه السلام في قتال "الخوارج" نجد أن علياً عليه السلام قد واجه "الخوارج" بالحرب، بعد أن خرجوا على إمامهم، ونقضوا البيعة، وأفسدوا في الأرض، وأخافوا السبيل، وبدأوه بالقتال, فأقام عليهم الحجة، ثم قاتلهم، وكان قتاله عليه السلام لهم يهدف إلى عدة أمور، نذكر منها:

- دفع غائلة إفسادهم وفتنتهم في الأرض،
وتعدّيهم على الحرمات، ومنعهم من ارتكاب الجرائم والموبقات، وإعلان انحرافهم أمام الملأ، وإشاعة حالة الأمن والسلام في الأمة... عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجرؤ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلبها" أضاف في رواية أخرى لهذا النص قوله عليه السلام: "لو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون، ولا القاسطون، ولا المارقون"، أو "ما قوتل فلان، وفلان"، أو "ما قوتل أصحاب الجمل والنهروان" 14

- حفظ الحكومة الإلهية، والنظام العادل، وان يدافع عنه حين يتعرض للتهديد، لأنه أمانة الله سبحانه بيده، ولا يحق له التفريط فيه وتمكين أهل الضلال والانحراف والظالمين منه، ولهذا لا بد من مجازاة الناكث لبيعته، والناقض لميثاقه، فبذلك تحفظ مصالح العباد، ويشيع الأمن والسلام والنظام في البلاد...

6- الميزان بين دعوى التديّن والوعي والتقوى

لا بد من رسم حدود واضحة ودقيقة بين التظاهر بالتدين ودعواه، وبين الإيمان الحقيقي وممارسة الوعي والتقوى في مختلف مفاصل الحياة ومواقفها، نظراً لما في هذه القضية من حساسية وتأثير على عقول الجماهير ومشاعرهم، ولهذا فقد تصدى أئمة أهل البيت عليه السلام لتوضيحها وشرحها في العديد من المناسبات، فقد روى الإمام الباقر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "إن لأهل التقوى علامات يُعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، ووفاء بالعهد، وقلّة العجز والبخل، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، وإتباع العلم فيما يقرّب إلى الله، طوبى لهم وحسن مآب", فإن كل هذه العلامات تتلخّص في واحدة وهي الارتباط بالكيان الاجتماعي ارتباطا متيناً وحسناً، فصدق الحديث قضية اجتماعية، وكذلك أداء الأمانة، وكذلك الوفاء بالعهد، وقلة العجز والبخل، وصلة الأقارب، ورحمة الضعفاء... الخ.

وقال الإمام الصادق عليه السلام: "لا يغرنك بكاؤهم فإن التقوى في القلب"15، فأن يبكي الإنسان من خوف الله تعالى، هذا وحده ليس تقوى، وإنما التقوى هو أن يحطّم الإنسان في قلبه الحواجز التي لا تدعه يفهم الحقائق ويؤمن بها، ولا تدعه يوفّق أعماله وفق مناهج الله تعالى، فالتقوى تعطي الإنسان كل ما يحتاجه، فإذا كان يحتاج إلى أن يكون قلبه بصيراً فانّ التقوى ضياء القلب، أو كان يحتاج إلى سلامة الجسد فالتقوى سلامة للجسد، أو كان يحتاج الى أن يفهم الحياة، فالتقوى عينٌ بصيرة للإنسان.

ويضيف الإمام عليه السلام: "فاجعلوا طاعة الله شعاراً دون دثاركم، ودخيلاً دون شعاركم، ولطيفاً بين أضلاعكم، وأميراً فوق أموركم، ومنهلاً لحين ورودكم، وشفيعاً لدرك طلبتكم، وجُنة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم وسكناً لطول وحشتكم، ونفساً لكرب مواطنكم"16.

إن الإمام عليه السلام يبيّن لنا أنّه لا يكفي أن يكون ظاهر الإنسان ملتزماً ببرامج الله تعالى، وإنما ينبغي أن يكون قلبه كذلك، فإن للإنسان شعاراً ودثاراً (الشعار هو ما يلبسه الإنسان تحت ثيابه، أمّا دثاره فهو ثيابه الظاهرة). في البداية يقول الإمام لتكن التقوى شعاراً دون دثاركم، يعني لتكن التقوى ثيابكم الألصق إلى أجسامكم، ثم لا يكتفي بذلك فيقول: دخيلاً دون شعاركم، أي يجب أن تكون التقوى عند ملامسة الجلد قبل الشعار، ثم لا يكتفي بذلك فيقول: ولطيفاً بين أضلاعكم، أي لا يكفي أن تكون التقوى ملامسة لجلد الإنسان بل يجب أن تكون مستقرة بين أضلاعه، ولا يكفي أن تكون التقوى توجّهاً كسائر توجّهاتكم، وإنما ينبغي أن تكون أميراً فوق أموركم.


1- نهج البلاغة، خطبة198، ص313-314
2- أصول الكافي، ج1، كتاب فضل العلم، باب إختلاف الحديث، ح9
3- وسائل الشيعة، ج 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي،،ح39
4- الإمام الخميني، الأربعون حديثاً)
5- الأنفال، الآية 29.).
6- غرر الحكم، ص65-66، 307.
7- بحار الأنوار، ج67، ح21، ص289.
8- م.ن، ج66، ح114، ص407.
9- سورة البقرة ـ الآية 195
10- تاريخ اليعقوبي ,ج2,ص 193
11- الكافي، ج2، ص50.
12- يراجع أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج2 ص333)
13- شرح نهج البلاغة ج1 ص458 والإمامة والسياسة ج1 ص109 ومستدرك نهج البلاغة ص68.
14- نهج البلاغة، بشرح محمد عبده، الخطبة رقم 89.
15- بحار الأنوار، ج67، ص284.
16- م ن،. ص285.

12-03-2010 | 17-18 د | 3212 قراءة

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net