الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1611 02 شوال 1445 هـ - الموافق 11 نيسان 2024 م

وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا

المداومةَ المداومةَحافظوا على الذخائرمراقباتخطبة عيد الفطرالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقبات
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1608 10 شهر رمضان 1445 هـ - الموافق 21 آذار 2024 م

أحسنُ الحسنِ

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وأعزّ المرسلين، سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بذكرى ولادة كريم أهل البيت، الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، في السنة الثالثة للهجرة.


جاء في الرواية عن أبي الحسن، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا الحسن، عن الحسن، عن الإمام الحسن (عليه السلام): «إنّ أحسنَ الحسنِ الخُلُقُ الحسَن»[1].

إنّ ثروةَ الأخلاق لا تعادلها ثروةٌ في الوجود، فالفضيلة والطهر والصلاح وعمل الخير وما إلى ذلك من الصفات والخصال الإنسانيّة الرفيعة تزّين الإنسان، وتجعل له مودّةً خاليةً من المصلحة في قلوب الناس. والخُلُق الحسَن حالةٌ يتّصف بها الإنسان، فتدفعه إلى حسن المعاشرة، وطيب الكلام، وبشاشة الوجه، ولطف المداراة، وهذا ما أجاب به الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأله أحدُ أصحابه: ما حدُّ حُسْن الخُلُق؟ فقال (عليه السلام): «تُليِّن جناحَك، وتُطيِّب كلامَك، وتلقى أخاكَ ببشرٍ حَسَن»[2].

الصوم تربية وتدريب
ولا شكّ في أنّ شهرَ رمضان المبارك نافذةٌ يطلّ المرءُ من خلالها على أخيه المسلم؛ إذ إنّه حلْقةُ وصلٍ بين أفراد المجتمع، فليس الصومُ مجرّدَ سلوكٍ فرديّ، بل له غايات اجتماعيّة، إذ إنّه في واقعه وجوهره تربيةٌ للنفس وتدريبٌ للذات على امتثال السلوك الحسَن مع الآخرين؛ لذا حرص رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) على بيان أهمّ الجوانب المرتبطة ببناء المجتمع السليم، ومن أبرزها تحسين الخُلُق في هذا الشهر الشريف، فقال (صلّى الله عليه وآله): «يا أيّها الناس، مَن حسَّن منكُم في هذا الشهرِ خُلُقَه، كان له جوازٌ على الصراطِ يومَ تزلُّ فيه الأقدام»[3].

وإذا كان حسن الخُلق في غير شهر رمضان ثقيلاً في الميزان، ويميت الخطيئة، ويرفع صاحبَه في الناس، فإنّ تحسينَ الخُلق في هذا الشهر يرقى بصاحبه ليجوزَ به على الصراطِ يوم تزلُّ الأقدام.

خُلُق الإمام المجتبى (عليه السلام)
وكفى بحسن الخُلُق شرفاً وفضلاً، أنّ اللهَ عزّ وجلّ لم يبعث رسلَه وأنبياءَه للناس إلّا بعد أن حلّاهم بهذه السجيّة الكريمة، وزانهم بها، فهي رمزُ فضائلِهم، وعنوانُ شخصيّاتهم، ولقد كان سيّدُ المرسلين (عليهم السلام) المثلَ الأعلى في حُسْن الخُلُق، بل إنّه بُعِث ليُتمِّم مكارمَ الأخلاق، وقد استطاع بأخلاقه العظيمة أن يملك القلوبَ والعقول، واستحقّ بذلك ثناءَ الله تعالى عليه، إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[4].

وقد حاز الإمام الحسنُ المجتبى (عليه السلام) -ونحن في أيّام ولادته العطِرة- صفات جدِّه رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله)، فـ«كان (عليه السلام) أشبهَ الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) خلقاً وهدياً وسؤدداً»[5].

ومن لطيف الحوادث الّتي تدلّ على حلمه وسموِّ خُلُقه، أنّ شاميّاً رأى الإمام الحسن (عليه السلام) راكباً، فجعل يلعنه، والحسن لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه وضحك وقال: «أيّها الشيخ، أظنُّك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجةٌ قضيناها لك، فلو حرّكت رحلَك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعودَ عليك؛ لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كبيراً»، فلمّا سمع الرجلُ كلامَه بكى، ثمّ قال: أشهد أنَّك خليفةُ الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنتَ أنت وأبوك أبغضَ خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ، وحوّل رحلَهُ إليه، وكان ضيفَهُ إلى أن ارتحل، وصار مُعتقِداً لمحبّتهم[6].

الاعتكاف من عوامل تربية النفس
وإنّ السيطرةَ على ميول النفس وشهواتها، والسعيَ لتحليتها بالحلم ومكارم الأخلاق، والعملَ على تهذيبها وتربيتها، تحتاج إلى عوامل مساعدة، ومن أبرز هذه العوامل في شهر الله، ابتعادُ الإنسان عن متعلّقات هذه الدنيا الزائلة، التي تُغفِل القلبَ عن ذكر الله تعالى، فالمرء يحتاج إلى انقطاعٍ عن الناس وخلوة مع الله، يتلذّذ في حلاوة عبادته وذكره، ولقد حرص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ذلك في كلّ عام من خلال الاعتكاف، الذي شُرّع في أساسه ليسترجع الإنسانُ نشاطَه الروحيّ والمعنويّ، إذ يقضي أيّاماً في بيت الله، وضمن شروطٍ وأحكامٍ محدّدة، يعيش فيها حالةً من التفكّر بالله تعالى، منقطعاً فيها عن متعلّقات الدنيا وانشغالاتها، فكان (صلّى الله عليه وآله) يعتكف في كلّ سنة من شهر رمضان المبارك عشرة أيّام، على الرغم من انشغاله بالدعوة والتربية والتعليم والجهاد...

فضل الاعتكاف
وقد ورد العديد من الأحاديث الشريفة الدالّة على فضل الاعتكاف وأهمّيّته، منها:

عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، يَعْدِلُ حِجَّتَيْنِ وَعُمْرَتَيْن‏»[7].

وقد ورد في سيرتِه (صلّى الله عليه وآله) أنّه عمل بهذه السُّنَّة، وداومَ عليها، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الأُوَلِ، ثُمَّ اعْتَكَفَ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْعَشْرِ الْوُسْطَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ فِي الثَّالِثَةِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ»[8].

بل ونجد حرصَه (صلّى الله عليه وآله) على عدم فوات هذا العمل، وإن فاتَهُ عمَدَ إلى قضائه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «كَانَتْ بَدْرٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ قَابِلٍ اعْتَكَفَ عَشْرَيْن؛ عَشْراً لِعَامِه، وعَشْراً قَضَاءً لِمَا فَاتَه»[9].

وممّا جاء في اعتكافه (صلّى الله عليه وآله)، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أنّه (صلّى الله عليه وآله) قَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ كَفَاكُمُ اللهُ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَوَعَدَكُمُ الْإِجَابَةَ، فَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[10]؛ أَلَا وَقَدْ وَكَّلَ اللهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ سَبْعَةَ أَمْلَاكٍ، فَلَيْسَ بِمَحْلُولٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ شَهْرُكُمْ هَذَا، أَلَا وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ مُفَتَّحَةٌ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ إِلَى آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْهُ، أَلَا وَالدُّعَاءُ فِيهِ مَقْبُولٌ. ثُمَّ شَمَّرَ (صلّى الله عليه وآله) وَشَدَّ مِئْزَرَهُ، وَبَرَزَ مِنْ بَيْتِهِ وَاعْتَكَفَهُنَّ، وَأَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَغْتَسِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ»[11].


[1] الشيخ الصدوق، الخصال، ص29.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص103.
[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
[4] سورة القلم، الآية 4.
[5] الإربليّ، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج2، ص139.
[6] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص184.
[7] النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج‏1، ص286.
[8] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص175.
[9] المصدر نفسه.
[10] سورة غافر، الآية 60.
[11] النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج‏1، ص286.

21-03-2024 | 13-30 د | 697 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net