كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مع التعبويّين، بمناسبة حلول أسبوع التعبئة، بتاريخ 25/11/2024م.
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّدٍ، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، [ولا] سيّما بقيّة الله في الأرضين.
أهلاً وسهلاً بكم أيها الإخوة الأعزاء، والأخوات العزيزات[1]. أبعث بتحياتي لكم جميعاً، وكذلك لكل الذين يستمعون إلى هذه الكلمة في جميع أنحاء البلاد. سأتحدّث بضع نقاط عن التعبئة. كانت تعبئة المستضعفين في البلاد ظاهرة فريدة من نوعها نشأت هنا؛ هذه الظاهرة ليس لها سابقة بهذا الشكل في أي مكان آخر، ولا في أي دولة أخرى من العالم، وتعدّ ظاهرة استثنائية. سأوضح هذه النقطة من جوانب مختلفة، وأعرض لها. لم تكن هذه الظاهرة تقليدية، ولم تكن استنساخاً؛ بل انبثقت من ثقافتنا الوطنية، ومن تاريخنا. هذه هي نقطتنا الأُولى؛ ونتيجة لهذه النقطة فإنّ هذه الظاهرة، لأنها أصيلة، فإنها دائمة. هذه الظاهرة غير قابلة للزوال. إنها ثابتة ودائمة لأنها متجذرة؛ فهي مرتبطة بهذا الشعب، وهذا التاريخ، وهذه الهوية الوطنية والإيرانية.
إنها شبكة ثقافية. التعبئة، في الأصل، هي شبكة ثقافية واجتماعية، وبالطبع عسكرية. ما يخطر في الذهن أولاً اليوم هو الجانب العسكري للتعبئة، في حين أنّ الجانب العسكري، رغم أهميته الكبيرة، ليس أكثر أهمية من الجوانب الثقافية والاجتماعية للتعبئة. الإمام مَن أسس هذه الشبكة، وكانت ابتكارَ الإمام؛ متى؟ في قلب تهديدٍ كبير. هذه من خصائص إمامنا [الخميني] الجليل. معظمكم لم تعيشوا مرحلة الإمام؛ واحدة من خصائص إمامنا الجليل كانت هذه: يخلق الفرص من قلب التهديدات. وفي هذه الحالة كذلك؛ في الثالث عشر من شهر آبان عام 1358 (4/11/1979م)، وقعت حادثة السيطرة على وكر التجسس الأمريكي، فبدأت القوة العظمى في ذلك الوقت، أي أمريكا، في التكشير عن أنيابها ومخالبها، والتهديد، وفرض الحظر. وفي قلب هذه التهديدات، أصدرَ الإمامُ في الخامس من شهر آذر (26/11/1979م)، أي بعد حوالي 22 أو 23 يوماً من تلك الحادثة، أمرَ التعبئة؛ أي إنه في وقتٍ كانت فيه البلاد - التي خرجت لتوّها من ثورة - لا تمتلك تقريباً أيّ أداة من أدوات الدفاع عن نفسها، وقد تعّرضت لهذا التهديد الكبير، وفي مثل هذه الظروف، غرس الإمام فجأةً شجرةً طيبة، شتلةً طيبة، في الأرض الاجتماعية والثقافية والعسكرية للبلاد، وكانت تلك الشجرة الطيبة هي التعبئة. لقد خلق من التهديد فرصة.
إذن، كما قلنا، الجانب العسكري للتعبئة هو أحد الجوانب فقط. ما أودّ قوله الآن هو أن التعبئة في المقام الأول هي «مدرسة»، هي «فكر»، هي «توجّه فكري»؛ إنّها في الواقع شبكة فكرية وثقافية. إذا كانت التعبئة تؤدي أعمالاً عسكرية أو اجتماعية أو علمية؛ فهي تفعل ذلك استناداً إلى نفس ذلك المنطق والفكر الذي يُشكّل أساسَ التعبئة. إذا أردتُ أن أوضح المنطق أو الركيزة التي تقوم عليه التعبئة بكلمتين فقط، يجب أن أقول إن هاتين الكلمتين هما: «الإيمان» و«الثقة بالنفس»؛ أو يمكنكم التعبير عنهما بـ: «الثقة بالله» و«الثقة بالنفس»؛ هاتان هما ركيزتا التعبئة. لقد تأسست التعبئة على الثقة بالله والثقة بالنفس. كلّ ما أثمرته هذه الشجرة اليوم، [وما ستثمره] غداً، وفي المستقبل، فإنّه يعود إلى هذين العنصرين: الثقة بالنفس، والثقة بالله. للتعبئة خصائص كثيرة، جميعها تنبع من هاتين الركيزتين الرئيسيتين. التعبئة تتمتّع بالشجاعة، والابتكار، والمبادرة السريعة، والرؤية الواسعة، ومعرفة العدو، والقدرة على الاستجابة للتحركات المختلفة - هذه كلّها خصائص تعود إلى التعبئة - ولكن جميع هذه الخصائص، وغيرها من خصائص التعبئة المميزة، تنبع من هاتين الركيزتين اللتين إذا فكرنا فيهما، وتعمّقنا بهما، وناقشناهما، ستصبح الأمور واضحة تماماً. طبعاً، سأتحدث بإيجاز عنهما الآن.
عندما نتحدّث عن الثقة بالله، فإنّ نتيجة هذه الثقة بالله هي عبارة عن التسليم لله. هذا يعني التوكّل على الله، واليقين بوعده. الثقة بالله تعني أوّلاً أنّنا مسلّمون لله، وثانياً أنّنا نعتمد على عون الله، ونعقد الأمل على عونه، وثالثاً أنّنا نثق بالوعد الذي قدّمه الله لنا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾[2] على سبيل المثال. هذا بشأن الثقة بالله، والله.
وفي ما يرتبط بالثقة بالنّفس، فإنّ نتيجة هذه الثقة بالنفس والاعتماد على الذات، هي عبارة عن اكتشاف القدرات الكامنة. نحن نغفل عن إمكاناتنا الوجوديّة في الكثير من الأحيان، ونغفل عن إمكاناتنا الجسديّة أيضاً. ناهيكم عن الإمكانات الفكريّة، والروحيّة والقلبيّة. الثقة بالنفس تجعلنا نلتفت إلى هذه الإمكانات. ثمّ تجعلنا نقدّر هذه الإمكانات، وتؤدّي بنا إلى أن نوظّفها. هناك أمثلة كثيرة على ذلك، ولكننا الآن لن ندخل في نقاشها وبيان تفاصيلها.
بالطبع، عندما نتحدث عن «الثقة بالله» - سواء في جوانب الفرد التعبوي أو في جوانب منظمة التعبئة - فإنّه عندما تتحقّق الثقة بالله، تتجلّى أمام الإنسان حقيقةٌ واضحة تتمثّل في وعد الله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقد جرت تلاوة هذه الآية هنا. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[3] في موضع، وفي موضع آخر أيضاً ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[4]. عزيز، أي الوجود الذي يَغلب ولا يُغلب أبداً. هذا ما تعنيه [مفردة] عزيز. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. كلّ هذه العناصر اللامتناهية لعالم الوجود هي جيش الله. إذا كنّا عبيداً لله؛ يمكن أن يهبّ هذا الجيش لنصرتنا، وهذه السّنن الإلهيّة، سننٌ طبيعيّة. طبعاً، قيادة هذا الجيش ليست بأيدينا نحن، حتى يكون بمقدورنا الاستفادة منه متى ما أردنا، فالقائد هو الله. لكن هذا القائد يجعل هذا [الجيش] في متناول أيدينا ضمن ظروف خاصّة، ومع توفّر ظروف معيّنة، وعندما نكون مستعدّين. هذا ما يصرّح به القرآن، والتعبيراتُ الصريحة للقرآن الكريم: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾[5]. إذا كنتم مستعدّين، ستهبّ ملائكة الله لمساعدتكم. ونحن لمسنا هذا العون؛ لمسناه في مرحلة الدفاع المقدّس، وقبلها، وبعدها أيضاً، ولمسنا العون الإلهيّ في الميدان السياسي، وكذلك في ميدان الحرب العسكريّة، وأيضاً في الميدان العلميّ. أين تتسنّى رؤية هذا العون الإلهي؟ عندما تُقدمون على عملٍ تظنّون أنّه غير ممكن، لكنّه يغدو ممكناً، ويتحقّق. إذن، هذه هي الخصائص المتعلقة بثقة قوى التعبئة بالله. وكما قلنا، ينبغي على منظمة التعبئة، وكذلك على كلّ فرد تعبوي: الثقة بالنفس، ومعرفة القدرات الفكرية والروحية والجسدية، ومعرفة قدر قوة الإرادة، واتخاذ القرارات، واجتناب الخضوع لإرادة العدو.
هناك عامل في وجودنا كثيراً ما نغفل عنه؛ فما هو؟ إنه القدرة على اتخاذ القرار؛ قوة الإرادة. نحن لدينا إرادة، لدينا قوة إرادة. أحياناً تكون إرادة الإنسان قوية لدرجة أنه يستطيع أن يوجد شيئاً، أن يحقّق أمراً. هذه القدرة موجودة فينا؛ لكننا لا نعرفها، ولا نقدّرها، ولا نعزّزها. في الحياة التعبوية، وفي مدرسة التعبئة، تُعدّ معرفة هذه القدرة الذاتية والداخلية لدى الإنسان من أبرز الميزات والخصائص. إذن، هذه الخصائص هي: اجتناب الخضوع لإرادة العدو، وتغليب إرادتكم الشخصية، والتمتّع بالثقة بالنفس، ومعرفة قدراتكم الخاصة؛ هذه كلّها في النقطة المقابلة تماماً لمخططات الاستكبار العالمي تجاه الشعوب؛ إنّها النقطة المقابلة لها تماماً.
إنّ إنكار قدرات الشعوب وإذلالها من أخطر أعمال الاستكبار العالمي، أي قوى الهيمنة العالمية. وهذا [المعنى] موجود في القرآن أيضاً؛ حيث يقول عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾[6]. طبعاً، لقد كان [فرعون] أشرف من سلاطين اليوم في العالم؛ سلطان أمريكا، وسلاطين أوروبا - هؤلاء سلاطين بطبيعة الحال -، كان أشرف من هؤلاء. كان يفعل ذلك مع شعبه فقط؛ أما هؤلاء فيفعلون ذلك مع الشعوب الأخرى. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾؛ لقد استخفّ بقومه وأذلّهم، وقلّل من قيمتهم، وأنكر ميزاتهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾[7]، ونتيجة لذلك، رأى قومُه أنّه أعلى منهم، فاستجابوا له، وأطاعوه. خطة الاستعمار هي: أن ينكروا تاريخكم، وهويتكم، وقدراتكم؛ عندما ترغبون في تأميم نفط بلدكم الذي كان تحت سطوة بريطانيا، يأتي عملاؤهم داخل البلاد ليخطبوا ويكتبوا: «أي هراء هذا! هل يمكن للإيراني أن يدير مصفاة آبادان؟ هل يمكن للإيراني أن يصنع حتى إبريقاً طينيّاً للحمّام؟!». يذلّون الشعوب على هذا النحو. التعبئة هي النقطة المعاكسة لهذا؛ التعبئة هي النقطة المعاكسة لهذا الإذلال الوطني. من أجل أن يتمكّنوا من السيطرة؛ يعمل المهيمنون على التلاعب بالمعتقدات الوطنية. كل شعب لديه تاريخ، وعقيدة، وشخصيات بارزة، ومعتقد؛ وهؤلاء يعبثون به، ويفسدونه، ويذلّونه.
أعزّائي، يا إخوتي، وأخواتي، وأبنائي! لقد تعرّضت إيران على مرّ السنوات الطويلة، وخاصّة في العهدين القاجاري والبهلوي للإذلال، ثمّ جاءت الثورة الإسلاميّة وغيّرت المعادلة. بعد الحرب العالميّة الأولى، عُقدَ مؤتمرٌ في باريس شاركت فيه دول عديدة لاتخاذ القرارات بشأن الوضع العالمي. كان المشاركون عبارة عن أولئك الذين شاركوا في الحرب، أو تضرّروا منها، وكانت إيران في عداد المتضرّرين من الحرب العالميّة الأولى، فأرسلت وفداً، [لكنّهم] لم يسمحوا للوفد الإيراني بالمشاركة في مؤتمر باريس. كانوا يمارسون الإذلال بهذا الشّكل، وقد أذلّوا الشعب الإيراني بهذا النحو في مرحلة من المراحل. الفكر التعبويّ يكسر هذا الحصار، وهذا السّلاح البرمجي الخطير جدّاً، يُبطل مفعوله الفكر التعبوي. الفكر التعبوي يمنح الثقة بالنّفس، فيشعر الفتى أو الشاب بأنّ صاحب حضور، ويملك القدرات. هذا بشأن ثقته بنفسه. وفي ما يرتبط بثقته بالله، فقد تحدّثنا عن ذلك. هو يعلم أن عالم الوجود بأكمله جيش الله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[8]، وإذا تحرّك في سبيل الله، فإنّ هذا الجيش سيهبّ لمساعدته. هكذا هو الحال اليوم أيضاً، وهذا ما سيكون عليه الحال في الغد أيضاً. لا شكّ في أنّ هذه الروحيّة التعبويّة، وهذه القدرات التعبويّة، وهذه الحالة التعبويّة السائدة في بلادنا، ولحُسن الحظ في عددٍ من الدول الأخرى أيضاً، فهذه الروحيّة حاضرة لدى أعضاء جبهة المقاومة أيضاً، سوف تتغلّب حتماً على كلّ سياسات أمريكا والغرب والاستكبار والكيان الصهيوني.
هناك نقطتان أو ثلاث بشأن «التعبئة». النقطة الأولى هي أنّ الإمام [الخميني] (قده) غرس الفكر التعبوي في البلاد على مدى خمسة عشر عاماً من النهضة والنضال قبل الانتصار، ورسّخه، وأنشأه. هذه السمات التي أذكرها بشأن التعبئة؛ يبرز كثيرٌ منها خارج إطار منظّمة التعبئة، وكثيرٌ منها حدث قبل تأسيس منظّمة التعبئة بشكل رسمي. منذ العام 1962م حتى العام 1979م، عمل الإمام طوال خمسة عشر أو ستّة عشر عاماً على ترسيخ هذه الروحيّة التعبويّة، وهذه الثقة بالنّفس، وهذه الثقة بالله، وهذا الاعتماد على النفس والاتكال على الله، وهذا الأمل بالانتصار وإظهار الأفق بشكل جليّ وواضح للشعب الإيراني؛ لقد تحدّث كثيراً، وتلقّف أهلنا الموهوبون، وشبابنا ذوو القدرات والطاقات، رسالةَ الإمام [الخميني] (قده). أمام كلّ تلك العوامل الموهنة، جرت الموافقة على تلك الرسالة، وتمّ تلقّفها، وعليه، بدأت هذه الحركة بالنّمو والتقدّم والاتساع بنحوٍ تدريجي، وصولاً إلى الثورة الإسلاميّة، التي أطاحت بنظامٍ كان يحظى تقريباً بدعم كلّ القوى حول العالم. أي إنّ الأمريكيّين كانوا يقدّمون الدعم للنظام البهلوي، وكان الأوروبيّون يقدّمون الدعم، وكان الاتحاد السوفيتي يقدّم الدعم خلال الفترة الأخيرة. الجميع كانوا يقدّمون الدّعم، وكانوا يملكون إمكانات كثيرة أيضاً. الإمام [الخميني] (قده) أطاح بهذا النظام، وقضى عليه، واجتثّه من جذوره، دون أن يُطلق الناس رصاصةً واحدة. نعم، تحدث انقلابات في العالم، وغالباً ما تكون فاشلة وغير مستدامة، [لكن] لم تحدث حربٌ مسلّحة هنا. لقد نزل الناس بأرواحهم، وأجسادهم، وإيمانهم، إلى وسط الميدان، وأحكموا سيطرتهم عليه، وطردوا الخصم من الميدان.
بعد انتصار الثورة الإسلاميّة أيضاً؛ صنع الإمام [الخميني] (قده) من التعبئة سدّاً في وجه الضربات المتنوّعة، قبل مرحلة الدفاع المقدّس، وأثناء الدفاع المقدّس، وكذلك بعد الدفاع المقدّس؛ في الميدان العسكري، وفي الميدان الاجتماعي، وفي الميدان العلمي، وكذلك في مجال تصنيع السلاح، وأيضاً في الميادين الدوليّة والسياسيّة. أنتم تدركون أنّ القوّتين الاجتماعيّة والعلميّة، تنتجان قوّة سياسيّة. ولو أنّ شعباً ما استطاع إبراز اتحاده، وعزيمته، وصموده، و[أبرز] عدداً كبيراً من القوى الناشطة في وسط الميدان، ولو أظهر قدراته العلميّة والاجتماعيّة، فإنه سيكتسب القوّة السياسيّة أيضاً، وسيكون بمقدوره أن يتحدّث بقوّة في الأجواء الدوليّة، وأن يفرض منطقه. هذه هي الأعمال التي أنجزها الإمام [الخميني] (رضوان الله عليه).
أدّت التعبئة دوراً محوريّاً، في مرحلة الدفاع المقدّس، وكذلك في تعزيز الأمن وحفظ استقرار البلاد، وأيضاً في مهام البناء والأعمال العلميّة. هؤلاء الذين استطاعوا إحباط تلك المؤامرة الخبيثة لأمريكا في قضيّة اليورانيوم المُخصّب بنسبة 20 بالمئة، الذي كانت البلاد بحاجة إليه، كانوا تعبويّين. الشهيد شهرياري كان تعبويّاً، وشهداؤنا من العلماء النوويّين كانوا أساتذة تعبويّين في البلاد. وهذه القضيّة لها تفاصيل كثيرة. نحن كنا بحاجة إلى اليورانيوم المُخصّب بنسبة 20 بالمئة من أجل الأدوية المشعّة، وكان ذلك يشكّل حاجة ملحّة للبلاد. كانت لدينا كميّة موجودة تمّ توفيرها سابقاً، وكانت على وشك النفاد، وكان علينا شراؤها. ممّن؟ من أمريكا. قالوا: سلّمونا كلّ ما لديكم من إنتاج بنسبة 3.5 بالمئة، وسوف نسلّمكم مقابلها [اليورانيوم المخصّب] بنسبة 20 بالمئة. جعلوا رئيسي جمهوريّة معروفَين في ذلك الوقت على مستوى العالم - ولا أرغب في ذكر اسميهما، وكانت تربطهما بنا علاقات جيّدة - وسيطين حتى يُنجز هذا الاتفاق وهذه المعاملة، ووافق المسؤولون في بلادنا أيضاً. كان ذلك في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولكن خلال المفاوضات، تبيّن أن الأمريكيّين كانوا يخدعوننا، وأدركنا أنّهم يخادعوننا، فتمّ إيقاف العمليّة. في نفس ذلك الوقت الذي كانوا يعتقدون فيه أنّ إيران ستستسلم بسبب حاجة البلاد إلى [اليورانيوم المخصّب بنسبة] 20 بالمئة، في نفس ذلك الوقت، أنتج أساتذتنا التعبويّون داخل البلاد بأنفسهم [اليورانيوم] المخصّب بنسبة 20 بالمئة! لم يكن بمقدور الأمريكيّين تصديق حصول مثل هذا الأمر. ذات يوم، قلت هنا قبل سنوات عدّة[9] أنّه في عمليّة تخصيب اليورانيوم، تكمن الصعوبة البالغة في الوصول إلى نسبة 20 بالمئة، ويصبح ما بعد ذلك سهلاً جدّاً. وهذا الجزء المعقّد من المشكلة، [حلّه] أبناؤنا التعبويّون، وشبابنا التعبويّون، وعلماؤنا التعبويّون، بينما كان العدوّ يخادعنا، وأنتجوا [اليورانيوم] في الداخل، وأصبحنا مستغنين عنهم. التعبئة عملت في هذه الميادين، وكانت نشطة في التفاعلات العالميّة. إذن، كانت قوات التعبئة نشطة في [القضايا] العسكريّة، وكذلك الاجتماعيّة، وأيضاً العلميّة، وعلى مستوى السياسة الدوليّة، وكانت كفوءة، وتمتلك قدرات كبيرة.
قلنا إنّ الكثير من هذه الأمور لم تحدث بالطّبع داخل منظّمة التعبئة، بل هي خارج التعبئة. لكن ما هو مهمٌّ بالنسبة إلينا هو ما يلي: الروح التعبويّة، والمدرسة التعبويّة، والثقافة التعبويّة. حاولوا ألّا تفقدوا هذا. أنتم التعبويّون اليوم في البلاد، حيثما كنتم، إذا كنتم في المصانع، أو في الجامعات، أو في الحوزة، أو في المختبرات العلميّة، أو في ميادين القتال، عليكم ألّا تفقدوا هذه الميزة، وهذه الروحيّة، وهذه الجاهزيّة، وهذه الحساسيّة تجاه الأحداث؛ كونوا مستعدّين. هذه هي النقطة الأولى.
النقطة الثانية، في العالم المعاصر؛ هناك الكثير من الشباب في شتّى الدول، الذين يصلون إلى طريق مسدود، ويشعرون بعدم الجدوى. هو شاب، ليس لديه طموحات، ولا هدف، ويشعر بعدم الجدوى. طبعاً، كثير من الأشخاص لديهم قدرة على التحمّل، لكن بعضهم لطفاء وحساسون، فيشعرون بعدم الجدوى، وتكثر عمليّات الانتحار. أنتم تسمعون وتقرؤون في الإحصائيات أنّ عمليّات الانتحار تزداد في العالم، وسبب ذلك هو هذا الأمر. يشعر الشاب بالوصول إلى طريق مسدود على المستوى الفكري، وبعدم وجود جدوى من حياته، ويشعر أنّه عاجزٌ أمام مختلف أنواع العوائق الموجودة أمامه، [لذلك] يجرّه هذا الشعور بالعجز إلى طريق مسدود. «الفكر التعبويّ» يكسر الطرق المسدودة. هذه إحدى خصائص الفكر التعبوي والثقافة التعبويّة: يفتح الطرق المسدودة، ولا يسمح للشاب أن يقف عند طريق مسدود؛ لماذا؟ لأنّه من خلال التعريف الذي قدّمناه، يثق بنفسه أوّلاً، ويثق بقدراته، ويعرف أنّه قادرٌ لو شحذ الهمم. ثانياً، لا يخشى ويرتعب أمام جعجعة الجبابرة، هكذا هي التعبئة. انظروا الآن إلى دعايات أمريكا والكيان الصهيوني والآخرين، أيّ جلبة يثيرونها بشأن مختلف القضايا، وكيف ينشرون الأكاذيب! يبتسم الشاب التعبوي مستهزئاً بهذه الضوضاء ولا يكترث لها، إذن هو ليس مرعوباً. ثالثاً، الشاب التعبوي لديه غاية، ويملك هدفاً، وهو ليس بلا هدف، كما إنّه يؤمن بهدفه. هدف الشاب التعبوي هو «المجتمع الإسلامي»، و«الحضارة الإسلاميّة» بعد ذلك، وهو يسير في هذا الاتجاه. هدف الشاب التعبوي هو «إرساء العدالة»، وهو يعتقد أنّه قادرٌ على إنجاز هذا العمل، ويحثّ الخطى في هذا المسار.
الشابّ التعبويّ لا يخشى الموت أيضاً، وأنتم تلاحظون ذلك طبعاً. خلال مرحلة الدفاع المقدّس؛ كانوا يأتون، ويبكون، ويترجّون بأن اسمحوا لنا أن نلتحق. لم يكن سنّهم مناسباً، فلم يكن يُسمح لهم، لذا كانوا يبكون ويترجّون. هذا يعود إلى ما قبل أربعين عاماً، أو 35 عاماً مثلاً. وهكذا كان الحال قبل بضعة أعوام أيضاً، خلال الدفاع عن المقدّسات. كم من الشّباب كتبوا الرسائل لي خلال مرحلة الدفاع عن المقدسات، وبعضهم كانوا يلتقون بي، [ويقولون]: يا سيّدنا اسمح لنا بالذهاب. لم يكن يُسمح لهم، فكانوا يذهبون إلى المجموعة الفلانيّة المسموح لها [بالذهاب]، ويلتحقون بها، كما سمعتم وقرأتم سيَرهم بالطبع، وأنتم تعلمون ذلك. إنّهم لا يهابون الموت! ونهاية المطاف هي الشهادة؛ إنه يؤمن بالشهادة، ويعتقد أنّه إذا فارق الدنيا على هذا النّهج؛ فإنه سينال أسمى المراتب المعنويّة الإلهيّة، إذن، الطريق مشرّع أمامه، ولم يعد هناك أيّ طريق مسدود أمامه. مثل هذا الإنسان لا يشعر بوجود أيّ طريق مسدود، ولأنّه لا يوجد أيّ طريق مسدود، ولهذه الأسباب [كلها]، فإنّ التعبويّ الإيراني على يقين أنّه سيقضي على الكيان الصهيوني حتماً في يوم من الأيّام.
النقطة التالية هي أنّه ينبغي تعزيز التعبئة في البلاد يوماً بعد يوم، يجب تقوية التعبئة. راية التعبئة هي راية الدفاع عن حقوق الشعب، وراية الدفاع عن الحقيقة. يجب أن ترفرف هذه الراية دائماً، وهي تحتاج إلى تقديم المساعدات والتقوية. كيف نقوّيها؟ بالتعمّق والتطوير النوعي. فليتمّ تعميق المعارف التعبويّة وترسيخها في أذهان الشباب التعبويّين، وليجرِ العمل على تطويرها على المستوى النوعي، وألّا يُنظر إلى القضايا بشكل سطحي. هناك حاجة إلى الكتب، والمطالعة ضروريّة، والتباحث ضروريّ، والحلقات الدراسيّة ضروريّة، وحلقات البحث ضروريّة. يجب أن تُنجز هذه الأمور.
أحد جوانب تعزيز التعبئة أيضاً هو أنّ تكون بمنزلة الذراع التنفيذي والفعّال للأجهزة التنفيذيّة في البلاد، وأن يكونوا حاضرين في كلّ مكان، ومتأهّبين للعمل؛ في المجال العسكري، والعلمي، وتقديم الخدمات، والتعليم والتربية، والتبيين، والتبليغ، وريادة الأعمال. وفي هذا المعرض الذي عرضوه لي، تتولّى التعبئة متابعة الكثير من هذه الأمور، وينبغي أن يستمرّ هذا بقوّة وصلابة، إن شاء الله. هذا ما كان عليه الحال في السابق أيضاً، فالتعبئة على مرّ هذه السنوات الممتدة قدّمت العون للحكومات، وكانت الذراع الفعّال للحكومات. طبعاً، بعض الحكومات قدّرت ذلك، وبعضها لم تقدّر، فتلقّت العون من التعبئة، ولم توجّه الشكر إليها.
وهكذا هو الحال أيضاً في المجال السياسي، فهو أيضاً من الأمور التي تعزّز قوّة التعبئة.
فلتعرف التعبئة أنّ نموذج أمريكا المطلوب تجاه بلدان هذه المنطقة يتمثّل في خيارين: إمّا الاستبداد أو الهرج والمرج. أو حسب التعبير الغربي: إمّا الدكتاتوريّة أو الأناركية (الفوضى). هذان الخياران اللذان تريدهما أمريكا للمنطقة. إنّ الدّولة التي يسعون إليها ينبغي أن تكون إمّا مرؤوسة من قِبَل سلطة مستبدّة يستطيعون التعامل معها، وفعل ما يحلو لهم معها، وإبرام أيّ اتفاق، وأن تكون خاضعة لهم؛ إمّا هذا! أو إذا لم يتحقّق ذلك، يجب أن تعيش البلاد حالة فوضى، وأن تَصعُبَ الحياة على النّاس. اعلموا هذا. يجب على التعبئة التصدّي لكلا هذين النموذجين: سواء الدكتاتوريّة والاستبداد، أو نشر الفوضى وأعمال الشّغب. كلاهما، إذا حدث أيّ منهما في البلاد، فهو نتيجة تدخّل الأعداء، ويجب التصدّي له.
حسناً، ذكرنا هذه القضايا المرتبطة بالتعبئة، والكلام بشأن التعبئة أكثر من هذا القدر، وكان هذا جزءاً من هذا الكلام. لأتطرّق بكلمة بشأن المنطقة أيضاً. لأذكر نقطتين بشأن هذه القضايا الحاليّة في لبنان وفلسطين وغزّة وأمثالها، وأنتم جميعاً مطّلعون على الأحداث، وتشاهدون الأخبار وتسمعونها. النقطة الأولى هي أنّ قصف بيوت الناس ليس انتصاراً. لا يظننّ الحمقى أنّهم بقصفهم بيوت النّاس، والمستشفيات، وتجمّعات المدنيّين، حقّقوا النّصر. كلا! لا أحد في العالم يعدّ هذا انتصاراً. هذا ليس انتصاراً، وهذه ليست انتصارات. العدوّ لم ينتصر في غزّة، ولم ينتصر في لبنان، ولن يحقق العدوّ الانتصار في غزّة ولبنان. إنّ ما ارتكبه هؤلاء [الصهاينة] ليس انتصاراً، إنّما جريمة حرب. لقد أصدروا[10] مذكّرة اعتقال نتنياهو، وهذا لا يكفي، يجب أن يصدر حكم إعدامه. يجب أن يصدر حكم إعدام هؤلاء القادة [الصهاينة] المجرمين. هذه هي النقطة الأولى.
النقطة الثانية هي أنّ الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني، سواء في لبنان أو في غزّة وفلسطين، تؤدي إلى عكس ما يريدونه، أي إنّها تُعزّز المقاومة، وتزيدها زخماً. هذه قاعدة عامّة لا مجال للشكّ والتردّد فيها. الشابّ الفلسطينيّ الغيور، والشابّ اللبناني الغيور، يدركان أنّ الخطر قائمٌ، سواء أكانا حاضرين في ميدان القتال أو لم يكونا حاضرين فيه؛ الخطر قائم. سواء أكان [هذا الشاب] طبيباً، أو ممرّضاً، أو مريضاً، أو عاملاً، أو تاجراً؛ فإنّ خطر الموت، وخطر القصف، وخطر تهديد العدوّ قائم، لذا يرى أنه لم يعد أمامه من سبيل، ويقول: لأنطلق نحو المواجهة. أنتم تحثّونه على ذلك. هؤلاء الحمقى يوسّعون جبهة المقاومة بأيديهم، وهذا أمرٌ قطعيّ، ولا رجعة فيه، وأنا أقول: إنّ جبهة المقاومة، مهما كان اتّساعها اليوم، ستتّسع في الغد أضعاف ما هي عليه اليوم. اللهمّ، عجّل بتحقيق هذا المصير المرجوّ لجميع عبادك الصالحين، بحقّ محمّد وآل محمّد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] في بداية هذا اللقاء قدّم رئيس منظمة تعبئة المستضعفين العميد غلامرضا سليماني تقريراً.
[2] سورة محمد، الآية 7.
[3] سورة الفتح، الآية 4.
[4] سورة الفتح، الآية 7.
[5] سورة آل عمران، الآية 125.
[6] سورة الزخرف، الآية 54.
[7] سورة الزخرف، الآية 51.
[8] سورة الفتح، الآية 4.
[9] كلمته في لقاء مع رؤساء الجامعات، ومراكز الأبحاث، ومراكز التنمية والحدائق العلميّة والتكنولوجيّة، بتاريخ 11/11/2015م.
[10] أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بعد تأخير لعدّة أشهر، بتاريخ 21/11/2024م، مذكرة باعتقال بنيامين نتنياهو (رئيس وزراء الكيان الصهيوني) ويوآف غالانت (وزير الحرب السابق في الكيان الصهيوني) بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة.