الثبات يهزم العدوّ
الحمد لله ربّ العالمين، نحمده على ما هدانا، ونستعينه في مواطن البلاء كما نستعينه في مواطن الرخاء، ونعوذ به من الزلل في الفهم قبل الزلل في الموقف، ومن الضعف عند اشتداد المحن. والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، الذين كانوا في أشدّ المحن أثبت الناس بصيرةً، وأوضحهم طريقاً، وأشدّهم أثراً في أعدائهم.
يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا...﴾[1].
إنّ ما نعيشه اليوم ليس استثناءً في تاريخ المؤمنين، بل هو امتدادٌ لسنّةٍ إلهيّةٍ جارية، سنّة الابتلاء والامتحان؛ فطريق الحقّ لم يكن يوماً مفروشاً بالراحة، بل كان دائماً محفوفاً بالتضحيات والآلام والصبر الطويل.
من أهمّ ما يجب توضيحه في هذا الظرف، هو التفريق بين حربٍ تُخاض طلباً، وحربٍ تُفرَض دفعاً. نحن لم نختر الحرب ابتداءً، ولم نكن طلّاب مواجهةٍ عبثيّة، بل عشنا لأشهرٍ طويلةٍ تحت اعتداءاتٍ يوميّة، وقتلٍ مستمر، وتدميرٍ للبيوت، وتشريدٍ للأهالي، ونقضٍ متكرّرٍ للاتّفاقات، من دون أن يُترك لنا خيارٌ حقيقيّ سوى الدفاع عن أنفسنا وأرضنا وعقيدتنا... وهنا يعلّمنا القرآن الموقف الصحيح، إذ يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا..﴾[2]، فحين يُفرَض القتال على الإنسان، يصبح التراجع عنه تضييعاً للحقّ، وليس حكمةً أو تعقّلاً.
من هنا، ينبغي أن يُطرح السؤال بشكلٍ صحيح، فليس السؤال: لماذا دخلنا هذه المعركة؟ بل إنّ السؤال: كم كان يجب أن نصبر على القتل والتدمير قبل أن ندافع؟ كم من الدماء كان يجب أن تُسفك؟ كم من البيوت كان يجب أن تُهدَّم؟ حتى يُقال إنّ الدفاع صار مشروعاً!
عباد الله،
إنّ من أخطر ما يقع فيه الإنسان في أزمنة الشدائد، أن ينظر إلى نفسه وواقعه بعين الألم فقط، وينسى أنّه في موقعٍ يُؤلم فيه عدوّه أيضاً. فيرى جراحه ولا يرى أثر ضربته، ويحسب أنّه وحده يدفع الثمن، بينما الحقيقة أنّ المواجهة قائمةٌ على تبادل الكلفة، لا على تحمّل طرفٍ واحدٍ لها.
والقرآن الكريم يوقظ هذه الغفلة، ويعيد تصحيح الميزان، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ...﴾[3]. فهذه الآية لا تكتفي بتثبيت القلوب فحسب، بل تكشف عن واقع وحقيقة، مفادها أنّ عدوّكم يتألّم كما تتألّمون، ويتعب كما تتعبون، وما يصيبكم من كلفة، يصيبه مثلها. فلا يجوز أن تُرى المعركة من زاوية الألم وحده، بل من زاوية التأثير أيضاً.
يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «العدوّ يوجّه ضرباته، ولكن ﴿فإنّهم يألمون كما تألمون﴾[4]؛ هو يتلقّى الضربات أيضاً، والمنتصر في نهاية المطاف قوّة الإيمان وأصحاب الإيمان. لبنان رمزُ المقاومة وسينتصر»[5].
إنّ ثبات المؤمن لا يمرّ بلا أثر، وصبره فعلٌ ضاغطٌ على عدوّه، يُربكه، ويُتعبه، ويمنعه من تحقيق غاياته. ولذلك، فإنّ مَن يثبت، لا يحفظ نفسه فقط، بل يُضعف خصمه أيضاً، ويُراكم عليه الكلفة يوماً بعد يوم، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يُعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ، وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ»[6]؛ لأنّ الصبر ليس انتظاراً فارغاً، بل هو صمودٌ يُنتج، وثباتٌ يُؤثّر، وتحمّلٌ يَستنزف العدوّ. ومع مرور الزمن، تتبدّل الموازين، لا لأنّ الصابر لم يتألّم، بل لأنّه صبر فآلَمَ غيره كما تألّم، وثبت حتّى عجز خصمه عن كسره.
أيّها الإخوة والأخوات،
ثمّة مَن يعتقد بأنّه ما كان ينبغي لنا أن نخوض هذه الحرب، وهذا القول، وإن بدا في ظاهره حرصاً على الناس، إلّا أنّه يحتاج إلى مراجعةٍ هادئةٍ وعميقة.
نحن لا نتّهم الناس في نيّاتهم، فالكثير متعب، مثقلٌ بالهموم، ولكنّ المشكلة ليست في الشعور، بل في الاستنتاج، فهل كان البديل عن المواجهة هو الأمان؟ وهل كان العدوّ سيُوقِف اعتداءاته اليوميّة لو سكتنا؟ وهل التجارب السابقة تقول إنّ التنازل يحمي، أم أنّه يفتح الباب لمزيدٍ من العدوان؟ إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ...﴾[7]؛ أي إنّ الصراع ليس دائماً صراع مصالحٍ مؤقّتة، بل قد يكون صراع إرادةٍ وهويّة، لا يُحسم بالتنازل، بل بالموقف والثبات.
أيّها المؤمنون والمؤمنات،
إنّ الدماء التي ترتقي في حربنا مع عدوّنا لا ينبغي أن تُقاس بمنطقٍ مادّيٍّ ضيّق خاضعٍ للإحصاء والأرقام، بل هي التي صنعت هذا الصمود، وهي التي منعت العدوّ من تحقيق ما أراد، وهي التي حفظت الكرامة ومنعت الانكسار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[8].
إنّ الشهداء الذين ارتقَوا لن تضيع تضحياتهم، هم أحياء عند الله، ونحن مسؤولون أمام الله وأمامهم بأن لا نُفرّط بما حفظوه بدمائهم.
وعن الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة»[9]. هذه الكلمة ليست مجرّد موقفٍ تاريخيّ، بل هي مبدأٌ دائم: حين يُخيَّر الإنسان بين الكرامة والتنازل المذلّ، فإنّ طريق أهل الإيمان هو طريق العزّة، بالغاً ما بلغت التضحيات.
يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «كلّ دمٍ يُسفكُ في سبيل الله يُسفك في محلّه، ولا يذهب سدىً. لا يُهدرُ أيّ دم، حتّى وإن لم يتحقّق النصر، لا يذهب هذا الدم المسفوك سدىً... والقرآن ينطق بهذا المعنى أيضاً؛ إذ يقول: ﴿...وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيم﴾[10]. لا فرق، إذاً، إن انتصرتم أو قُتلتم، وإن انتصرتم أو هُزمتم، ذلك بأن هذه الحركة نفسها لها قيمتها عند الله. هذا الجهاد له قيمته عند الله المتعالي، والنصر حتميٌّ طبعاً»[11].
أيّها الأحبّة،
إنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط آثار الحرب، بل الالتباس في الوعي، حين تختلط المفاهيم، ويُقدَّم التعب على أنّه دليل خطأ، والخسارة على أنّها عبث، والصبر على أنّه ضعف. هنا يجب أن نكون على بصيرة، فإنّ التعب لا يعني أنّ الطريق خاطئ، بل قد يكون دليلاً على أنّه الطريق الصحيح الذي له كلفته وثمنه، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه»[12]، فالمعيار ليس الراحة، بل الحقّ، وليس السهولة، بل الموقف.
في الختام،
نقف خاشعين بين يدي الله تعالى، ونحمده أوّلاً وآخراً، على ما أولى من نِعَمٍ، وعلى ما منح من توفيقٍ للصبر والثبات، فإنّ كلّ ما تحقّق من صمودٍ وعزّة إنّما هو بفضله وحده، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾[13].
ثمّ نتوجّه بوافر الشكر والتقدير إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، التي لم تتخلَّ عن مسؤوليّاتها، وأصرّت وسعت في سبيل وقف إطلاق النار، انطلاقاً من التزامها بقضايا هذه الأمّة، وحرصها على حقن الدماء وحماية الأوطان.
ونرفع أسمى آيات التحيّة والإجلال إلى الإمام الخامنئيّ العظيم (قُدِّس سرّه)، هذا القائد الذي جسّد بثباته وبصيرته معنى القيادة في زمن المحن، فكان سنداً للحقّ، وحاملاً همَّ الأمّة، ثابتاً لا يتزعزع أمام الضغوط والتحدّيات.
كما نُحيّي هذا الشعب الصابر، الذي قدّم نموذجاً عظيماً في التحمّل والثبات، فصبر على الألم، وثبت في وجه الخوف، وتحمّل قسوة الأيّام من دون أن يتخلّى عن إيمانه وكرامته، فكان بحقّ شريكاً في صناعة هذا الصمود.
ولا يسعنا إلّا أن ننحني إجلالاً أمام الشهداء الأبرار، ونسأل الله الشفاء للجرحى، ونُحيّي المجاهدين الذين سطّروا بدمائهم ملاحم العزّة، كما نُحيّي عوائلهم الكريمة التي احتسبت وقدّمت وصبرت، فكانت شريكةً في هذا الطريق بكلّ ما فيه من تضحيات.
أيّها الأحبّة،
إنّ هذه التضحيات العظيمة أمانةٌ في أعناقنا، ومسؤوليّتنا أن نصونها بالوعي والثبات، وأن لا نسمح للتعب أن يُبدّد ما صُنع بالدم والصبر.
نسأل الله تعالى أن يتقبّل منّا ومنكم، وأن يثبّتنا على هذا النهج، وأن يكتب لهذه الأمّة العزّة والنصر، إنّه سميعٌ مجيب.
[1] سورة البقرة، الآية:214
[2] سورة البقرة، الآية:190
[3] سورة النساء، الآية:104
[4] سورة النساء، الآية:104
[5] كلمة الإمام الخامنئي(قدس سره) في الذكرى السنويّة الخامسة لاستشهاد قادة النص 01/01/2025.
[6] حكم نهج البلاغة 151-200
[7] سورة البقرة، الآية: 120
[8] سورة آل عمران، الآية:169
[9] بحار الأنوار للعلامة المجلسي (المجلد 45، الصفحة 83).
[10] سورة النساء، الآية:74.
[11] كلمة الإمام الخامنئي(قدس سره) في الذكرى السنويّة الخامسة لاستشهاد قادة النص 01/01/2025
[12] نهج البلاغة: وردت في "قصار الحكم" (الحكمة رقم 262).
[13] سورة النحل، الآية: 53









