الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
فَلَا تَهِنُواالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣) الخطاب الثقافي (رقم ٢) الخطاب الثقافي (رقم ١) شهادة الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)

العدد 1709 05 شهر رمضان 1447هـ - الموافق 23 شباط 2026م

صدَّقَتني وآمَنَت بي

سلامُ اللهِ إليهارسالة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) إلى المؤتمر الوطنيّ «شهداء الأسر الغرباء»
من نحن

 
 

 

التصنيفات
فَلَا تَهِنُوا
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

فَلَا تَهِنُوا

الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوكّل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ، ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بذكرى ولادة الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في الحادي عشر من ذي القعدة عام 148 للهجرة.

نستحضر في هذه الأيّام ذكرى الولادة الميمونة للإمام الرضا (عليه السلام)، ذلك الإمام الذي عاش في مرحلةٍ كانت من أشدّ المراحل قسوةً وضيقاً على أهل الحقّ وأتباعه، إذ كان سلطان الظلم العبّاسيّ جاثماً على صدور الناس، وكانت السيوف مشرعةً في وجه كلّ مَن ينصر الحقّ ويساند المستضعفين.

في تلك الأجواء الخانقة، لم يكن دور الإمام (عليه السلام) دوراً عاديّاً، بل كان الحافظ للأمّة، والحارس للعقيدة، والمثبّت للهويّة الإيمانيّة. وهذا ما ينسجم مع سنن الله تعالى في أوليائه، إذ يقول عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾[1]؛ وإلى هذا الأمر يشير الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) قائلاً: «في ذلك الجوّ الخانق الذي وصفه أحد أتباع عليّ بن موسى (عليه السلام)، قال محمّد بن سنان: «وسيف هارون يُقطِّر الدم»[2]، كان أكبر إنجاز لإمامنا المعصوم الجليل هو أنّه استطاع أن يحافظ على شجرة التشيّع وسط أعاصير الحوادث»[3].

نعم، لقد استطاع الإمام الرضا (عليه السلام) أن يحفظ خطّ التشيّع، وأن يُثبّت معالم الدين، لا بالقوّة المادّيّة وحدها، بل بما امتلكه من علمٍ راسخ، وبصيرةٍ نافذة، وصبرٍ عظيم، وحكمةٍ بالغة؛ فكان بذلك نموذجاً للقيادة التي تصنع الثبات في أشدّ الظروف قسوةً، وهذا يذكّرنا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[4]، فالصبر واليقين هما أساس القيادة الإلهيّة، وهما سرّ الثبات في وجه العواصف.

عباد الله،
إنّنا اليوم نعيش ظروفاً لا تقلّ خطورةً عن تلك المرحلة، فالأمّة تتعرّض لضغوطٍ هائلة، وعلى مختلف الأصعدة: عسكريّة واقتصاديّة وسياسيّة وإعلاميّة... ويُراد لها أن تتخلّى عن ثوابتها ومبادئها، وأن تقبل بما يُفرض عليها من تسوياتٍ ظاهرها السلام، وباطنها التنازل والتفريط والاستسلام!

وقد حذّرنا الله تعالى من الركون إلى الظالمين، فقال عزّ من قائل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾[5]، والركون لا يكون في العمل فحسب، بل حتّى في الميل القلبيّ والرضا الضمنيّ، وهو بداية الانحراف.

إنّ ما يُطرح أحياناً من مشاريع (السلام) مع العدوّ، ينبغي أن يُعرض على ميزان القرآن والعقل والكرامة. فهل السلام الذي يُبنى على التنازل عن الحقوق، وعلى الاعتراف بالظلم، وعلى إهدار دماء الشهداء، هو سلامٌ حقيقيّ؟ أم هو استسلامٌ تنبغي مواجهته؟ يقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾[6]، هذه الآية ترسم قاعدة واضحة: لا دعوة إلى السلام من موقع الضعف والانكسار، بل السلام المشروع هو الذي يحفظ العزّة والكرامة، ويعيد الحقوق إلى أهلها وأصحابها.

أيّها الأحبّة،
إنّ في تاريخنا نماذج مضيئة، وعلى رأسها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين لم يساوموا على الحقّ، ولم يفرّطوا بالثوابت، برغم كلّ الضغوط التي تعرّضوا لها، بل قدّموا حياتهم المباركة فداءً لهذه الثوابت والمعتقدات، وهذا الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يرسم لنا حدّاً فاصلاً بين العزّة والذلّة، حين طُلب منه أن ينزل على حكم يزيد، فأبى ذلك قائلاً: «لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أَفرّ فرار العبيد»[7]، وهو موقف يختصر معنى العزّة والكرامة.

وفي المقابل، نرى أنّ الذين اختاروا طريق التنازل وممالأة الباطل، لم يجنوا إلّا الذلّ والخسارة؛ إذ إنّ سنّة الله جاريةٌ بأنّ الذلّ مصير كلّ مَن يُحادّ الله ورسوله، ويساند الباطل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾[8].

عباد الله،
في خضمّ هذه التحدّيات، فإنّ المواجهة لا تُخاض بردود أفعالٍ متفرّقة، بل بأركانٍ ثابتة تمنح الأمّة القوّة الحقيقيّة: إيمانٌ راسخ يربط القلب بالله، ووحدةٌ تصون الصفّ من التصدّع، وصبرٌ يُطيل نَفَس المواجهة، وثباتٌ لا يتزلزل أمام الضغوط، وهذه سننٌ إلهيّة يُقرّرها القرآن الكريم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[9].

ثمّ إنّ لهذه الأركان شواهد حيّةً تُجسّدها، وفي طليعتها الشهداء الذين كتبوا أرقى أنواع التضحية بدمائهم، فكانوا حجّةً على كلّ متخاذل، ودليلاً على أنّ طريق العزّة لا يُصان إلّا بالبذل والعطاء. وهؤلاء لم يخسروا شيئاً، بل نالوا أعظم الربح، وفازوا فوزاً عظيماً، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[10]، وفي الحديث الشريف: «فوق كلّ ذي برٍّ برٌّ، حتّى يُقتَل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ»[11]. وعنهم يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «هؤلاء الشهداء وهبونا الحياة الكريمة، ولكنّهم حصلوا بالشهادة على ما هو أعظم بكثير»[12].

غير أنّ أساس هذه الأركان كلّها، وروحها التي تُحييها، هو الارتباط بالله تعالى؛ فهناك تُستمَدّ القوّة، ومنه يُستجلب النصر، وهذا ما تغذّينا عليه في أدعية أهل البيت (عليهم السلام)، ومنها ما في دعاء الجوشن الكبير: «يا عِمادَ مَنْ لا عِمادَ لَهُ، يا سَنَدَ مَنْ لا سَنَدَ لَهُ، يا ذُخْرَ مَنْ لا ذُخْرَ لَهُ»[13]. فالقوّة الحقيقيّة لا تُقاس بعددٍ أو بعتاد، وإنّما بصدق التوكّل، والثقة بوعد الله، يقول تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾[14].

عباد الله،
إنّ مسؤوليّتنا اليوم كبيرة، وهي أن نحافظ على وعينا، وأن لا ننخدع بالحملات الإعلاميّة المُضلِّلة، وأن نَمِيز بين الحقّ والباطل، والله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾[15]، كما علينا أن نكون صفّاً واحداً؛ لأنّ الفرقة هي مدخل الهزيمة، كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[16].

علينا أن نستكمل معالم الطريق من مصادرها الصافية؛ فنأخذ من القرآن طريق نجاتنا، ونقتدي بالعترة الطاهرة (عليهم السلام) سبيل الهداية، فبهم يُعرَف الصراط المستقيم، ونتعلّم من الشهداء معنى البذل والعطاء.

اللهمّ إنّا نسألك الثبات على الحقّ، والبصيرة في الدين، والنصرة للمظلومين، والعزّة للإسلام والمسلمين. اللهمّ احفظ هذه الأمّة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتقبّل شهداءنا، واشفِ جرحانا، وفكّ أسرانا، وانصر المجاهدين، واخذل أعداء الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


[1] القرآن الكريم،سورة الأحزاب، الآية 39.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص257.
[3] الإمام السيد علي الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، إنسان بعمر 250 سنة، ص335.
[4] القرآن الكريم،سورة السجدة، الآية 24.
[5] القرآن الكريم،سورة هود، الآية 113.
[6] القرآن الكريم،سورة محمّد، الآية 35.
[7] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص98.
[8] القرآن الكريم،سورة المجادلة، الآية 20.
[9] القرآن الكريم،سورة آل عمران، الآية 200.
[10] القرآن الكريم،سورة آل عمران، الآية 169.
[11] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص348.
[12] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 10/11/2018م.
[13] الشيخ عبّاس القمّيّ، مفاتيح الجنان، ص168.
[14] القرآن الكريم،سورة آل عمران، الآية 160.
[15] القرآن الكريم،سورة يونس، الآية 32.
[16] القرآن الكريم،سورة الأنفال، الآية 46.
 

03-05-2026 | 19-09 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net