الأسرة المؤمنة مصنع المقاومين
الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوكّل عليه، ونصلّي على خاتم النبيّين أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، ولا سيّما بقيّة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك، بذكرى زواج النور من النور، زواج أمير المؤمنين من السيّدة الزهراء (عليهما السلام)، في الأوّل من شهر ذي الحجّة.
أيّها المؤمنون،
نعيشُ في هذه الأيّام «أسبوع الأسرة»، الذي يتزامن مع ذكرى عظيمة وعزيزة على قلوب المؤمنين، هي ذكرى زواج النورَين (عليهما السلام)، ذلك الزواج الذي كان تأسيساً لمدرسةٍ إلهيّة، ولأسرةٍ هي أطهر أسرة عرفتها الإنسانيّة؛ منها انبثق نور الإمامة، ومنها تعلّمت البشريّة معنى المودّة والرحمة والتضحية والصبر.
لقد أراد الإسلام للأسرة أن تكون سكناً ورحمةً وطمأنينةً، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾[1]، فالأسرة في نظر الإسلام هي الحصن الذي يحفظ الإنسان، والمدرسة التي تُربّي الأجيال، والرحم الذي يولد منه الإنسان الصالح والمجاهد والمؤمن والثابت في ميادين الحقّ. ومن هنا يؤكّد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) أنّ «أكثرَ ما يحتاجُ البشرُ إليهِ هوَ الطمأنينةُ... وهذا ما تُوفِّرُهُ الأسرةُ للإنسانِ، رجلاً كانَ أمِ امرأةً»[2]. فالعلاقة الصحيحة بين الزوجين ليست علاقةً جافّةً خاليةً من العاطفة، ولا علاقةً تقوم على التسلّط والعنف، بل هي علاقة محبّة ورحمة وتفاهم واحتواء، «فالحبُّ المترافقُ معَ العنفِ ليسَ مقبولاً، وكذا الرحمةُ من دونِ المودّةِ ليست مقبولةً هي الأخرى»[3]. ومن هنا، كانت الأسرة المؤمنة المستقرّة أساساً في بناء الإنسان السليم، والمجتمع القويّ المتماسك.
أيّها الأحبّة،
إنّ الحياة الإنسانيّة بطبيعتها ليست خاليةً من التعب والبلاءات، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾[4]، والإنسان لا يتكامل فيها إلّا عبر الصبر والمواجهة وتحمّل المشقّات، وكذلك الحياة الزوجيّة والأسريّة؛ فهي ليست طريقاً مفروشاً دائماً بالراحة، بل تتعرّض للاهتزازات والتحدّيات والأزمات، وتحتاج إلى الصبر والتسامح والحكمة وحسن المعاشرة.
من هنا، أكّد الإسلام ضرورة الصبر داخل الأسرة؛ لأنّ الأسرة التي يسقط فيها الصبر، يسقط معها الاستقرار، وتتفكّك فيها الروابط، وتضيع فيها الأجيال؛ لذا كان على كلٍّ من الزوجين أن يتحلّى بسعة الصدر، وأن يصبر على ما قد يصدر من الآخر من تقصيرٍ أو سوء خلق، ابتغاءَ حفظ الأسرة وصونِ هذا البناء المبارك. وهذا ما نحتاج إلى الالتفات إليه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، في ظلّ ما نشهده من ارتفاعٍ في نسب التفكّك الأسريّ والطلاق، وما يتركه ذلك من آثارٍ خطيرة على المجتمع والأجيال، وفي هذا السياق يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «انظروا إلى نسب الطلاق الموجودة في كلّ المناطق وفي كلّ الطوائف، هذا استحقاق خطير جداً، ويجب أن يُواجَه. إذا المجتمع متفكّكّ، أيّ بلدٍ تبني؟ ولِمن؟ أوّل شيء الإنسان، والعائلة التي تتشكّل النواة الأولى فيها، هي الأسرة»[5].
وعليه، لم يكتفِ الإسلام بالتحذير من تفكّك الأسرة وآثاره الخطيرة على المجتمع، بل وضع الأسس العمليّة التي تحفظ هذا البناء وتحميه من الانهيار، وفي مقدّمها: الصبر والتحمّل وحسن المعاشرة بين الزوجين، فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن صَبَرَت عَلى سوءِ خُلُقِ زَوجِها؛ أعطاها اللهُ مِثلَ ثَوابِ آسِيَةَ بِنتِ مُزاحِمٍ»[6]. وإنّما بلغت آسيا تلك المنزلة العظيمة عند الله بإيمانها الراسخ، وعبادتها، وصبرها على طغيان فرعون وظلمه، ذلك الطاغية الذي ادّعى الألوهيّة واستعبد الناس وأفسد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾[7]، ومع ذلك ثبتَت آسيا وصبرَت، وكانت تناجي ربّها بقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[8].
وكما دعا الإسلام الزوجة إلى الصبر، دعا الزوج أيضاً إلى التحلّي به، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن صَبَرَ عَلى سُوءِ خُلُقِ امرَأتِهِ، أعطاهُ اللّهُ مِنَ الأجرِ، ما أعطى أيُّوبَ (عليه السلام) عَلى بَلائهِ»[9]. فالصبر المتبادل بين الزوجين هو من أعظم أسباب دوام الألفة، وحفظ الأسرة، ونيل الأجر والثواب عند الله تعالى. وفي وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة؛ فدارِها على كلِّ حال، وأحسن الصحبة لها، فَيِصْفُ عيشك»[10].
أيّها المؤمنون،
حين نتحدّث اليوم عن الأسرة، فإنّنا لا نتحدّث عن مفهومٍ نظريّ بعيد عن واقعنا، بل نتحدّث عن واقعٍ حيّ نراه في لبنان، وفي القرى التي قدّمت الشهداء والجرحى والمجاهدين، وفي البيوت التي هُجِّرت ونزحت وصبرت وثبتت.
إنّ الذي يحفظ المقاومة بعد توفيق الله، هو هذه الأسرة المؤمنة؛ الأمّ التي ربّت أبناءها على حبّ الله والجهاد والكرامة، الزوجة التي صبرت على غياب زوجها في الثغور، الأب الذي احتسب ابنه شهيداً في سبيل الدفاع عن الوطن والناس والمقدّسات، الأطفال الذين تحمّلوا الخوف والنزوح وفقد الأحبّة، هذه الأسر ليست أسراً عاديّة، بل هي مدارس إيمان وصبر وثبات.
إنّ العدوّ الصهيوني لا يستهدف الحجر فقط، بل يستهدف الإنسان والأسرة والوعي والهويّة؛ لأنّه يعلم أنّ الأسرة المؤمنة هي التي تُخرِج المقاوم، وتصنع الإنسان الحرّ الذي لا يخضع ولا يبيع كرامته.
من هنا، فإنّ الحفاظ على الأسرة اليوم هو جزءٌ من معركة الدفاع عن الوطن والأمّة، حين نحفظ المودّة داخل بيوتنا، ونحفظ أولادنا من الانحراف، ونزرع فيهم الإيمان والوعي والبصيرة، فإنّنا نحصّن الجبهة الداخليّة، ونبني مجتمعاً لا يمكن للعدوّ أن يهزمه؛ لأنّ المجتمع من دون أسرة – كما يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)- «هوَ مجتمعٌ مضطربٌ ومُهتزٌّ، هوَ مجتمعٌ لا تنتقلُ فيهِ المواريثُ الثقافيّةُ والفكريّةُ والعقائدُ بسهولةٍ منْ جيلٍ لآخر. هوَ مجتمعٌ لا تتحقّقُ فيهِ تربيةُ الإنسانِ ببساطةٍ وسهولةٍ. عندما يخلو المجتمعُ منَ الأسرةِ، أوْ يكونُ وضعُ الأسرةِ فيهِ متضعضعاً، فلنْ يحصلَ الإنسانُ فيهِ على التربيةِ، ولوْ كانَ ذلكَ في أفضلِ دُورِ التربيةِ»[11].
ولذلك، فإنّ من أعظم الجهاد اليوم أن تحافظ الأسرة على تماسكها، وعلى أخلاقها، وعلى إيمانها، برغم الضغوط الاقتصاديّة والنفسيّة والأمنيّة.
أيّها المؤمنون،
إنّنا في زمن الفتن والحروب، أحوج ما نكون إلى أسرٍ متماسكة، يسودها الاحترام والتفاهم والصبر والتضحية، فالأسرة المتصدّعة لا تستطيع أن تبني مجتمعاً قويّاً، أمّا الأسرة المؤمنة الصابرة، فهي التي تصنع الأبطال وتصنع المستقبل. فَلْنستفد من ذكرى زواج أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء (عليهما السلام)، ولنجعل من بيتهما قدوةً لنا في البساطة، والمودّة، والتعاون، والعبادة، وتحمّل المسؤوليّة، ولنواجه أزماتنا بروح الإيمان، لا بروح اليأس والانهيار.
نسأل الله تعالى أن يحفظ أسرنا، وأن يرحم شهداءنا، وأن يشفي جرحانا، وأن يثبّت مجاهدينا، وأن يعيد النازحين إلى بيوتهم سالمين أعزّة، وأن يحفظ لبنان وأهله من كلّ سوء ومكروه.
[1] سورة الروم، الآية 21.
[2] من لقاءٍ معه (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 19/06/2002م.
[3] المصدر نفسه.
[4] سورة البلد، الآية 4.
[5] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 26/07/2019م.
[6] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص214.
[7] سورة القصص، الآية 4.
[8] سورة التحريم، الآية 11.
[9] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص214.
[10] المصدر نفسه، ص218.
[11] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 29/10/1977م.









