من عرفات إلى كربلاء
الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوكّل عليه، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، السفن الجارية في اللُّجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[1].
أيّها المؤمنون، نعيش في هذه الأيّام محطّاتٍ عظيمةً ومترابطةً في المعنى والرسالة والهدف: ذكرى شهادة الإمام الباقر (عليه السلام) في السابع من ذي الحجّة سنة 114هـ، وذكرى خروج الإمام الحسين (عليه السلام) من مكّة إلى العراق في الثامن من ذي الحجّة سنة 60 للهجرة، ويوم عرفة في التاسع من ذي الحجّة، هذا اليوم الذي تتجلّى فيه أعلى معاني العبوديّة والخضوع لله سبحانه وتعالى. وإنّ هذه المناسبات هي محطّاتٌ لصناعة الوعي، وتثبيت الإيمان، وتعليم الناس كيف يثبتون في زمن الفتن والحروب والتخاذل.
الإمام الباقر (عليه السلام): البصيرة في مواجهة التزييف
لقد عاش الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) في مرحلةٍ بالغة القسوة والخطورة، فقد سعت السلطة الأمويّة إلى طمس معالم الإسلام الأصيل، وتزييف وعي الأمّة، وإبعاد الناس عن خطّ أهل البيت (عليهم السلام). ولم تكن المواجهة يومها مواجهةً عسكريّةً، بل كانت معركة وعيٍ وبصيرةٍ وهُويّة؛ لذلك نهض الإمام الباقر (عليه السلام) بمشروعٍ علميّ وفكريّ عظيم، فأسّس مدرسة أهل البيت، وربّى العلماء والفقهاء، وأعاد ربط الناس بالقرآن والمعارف الإسلاميّة الأصيلة.
وقد أشار الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) إلى طبيعة هذا الدور، مبيّناً أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) كان يصنع تحوّلاً فكريّاً واجتماعيّاً في الأمّة، حيث انجذب كثيرٌ من الناس إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) باعتبارها الامتداد الحقيقيّ للإسلام المحمّديّ الأصيل، القائم على إقامة سيادة الإسلام الحقّة، وإحياء معارف القرآن وتثبيتها في حياة الناس، يقول (قُدِّس سرّه): «إنّ الكثير من الناس، ممّن هم من الطبقة الوسطى، في زمن الإمام الباقر (عليه السلام)، كانوا يُقبلون على مدرسة أهل البيت ومذهب الإمامة، وما هو رائجٌ في عرف اليوم تحت عنوان «التشيّع». التشيّع هو اتّباع مدرسة أهل البيت من أجل إقامة السيادة الحقيقيّة للإسلام، والإعلاء الحقيقيّ لكلمة القرآن، وتوضيح المعارف القرآنيّة وتثبيتها بين الناس. وكلّ مَن كان الإمام الباقر (عليه السلام) يتّصل به، ويُبيّن له المسائل، كان يُبدّل تفكيره»[2].
ومن هنا لُقّب الإمام (عليه السلام) بالباقر، لأنّه بقر العلوم بقراً؛ أي شقّها وأظهر كنوزها وحقائقها. لقد بيّن لنا الإمام (عليه السلام) أنّ من أخطر ما تُبتلى به الأمّة الاحتلال الفكريّ والثقافيّ والنفسيّ؛ حين يُقلَب ميزان الوعي، فيُرى الباطل حقّاً، ويُصوَّر الظالم مصلحاً، والمتخاذل حكيماً، والمقاوم صاحبَ حقٍّ وتضحيةٍ متّهماً ومشوَّهاً. ولذلك كانت معركة الإمام الباقر (عليه السلام) الأولى هي معركة بناء الوعي، لأنّ الأمّة إذا امتلكت بصيرتها استطاعت أن تُميّز الحقّ من الباطل، وأمّا إذا فُقد الوعي، ضاع كلّ شيء.
وهذا ما نعيشه اليوم إلى حدٍّ كبير؛ فبينما يتعرّض أهلنا في لبنان وفلسطين لأبشع أنواع العدوان الصهيونيّ، من قتلٍ وتهجيرٍ وتدميرٍ واستهدافٍ، نجد أنّ كثيراً من الأنظمة العربيّة والإسلاميّة تتصرّف وكأنّ الأمر لا يعنيها، بل إنّ بعضها يذهب إلى أبعد من الصمت، فيشارك في هذا العدوان بكيفيّة ما.
في لبنان، يعيش أهل المقاومة اليوم امتحاناً قاسياً؛ تهجيرٌ ونزوح، وبيوتٌ مهدّمة، وأرزاقٌ ضائعة، ومعاناةٌ يوميّةٌ تُثقل كاهل الناس، فيما تبدو الدولة غائبةً عن مسؤوليّاتها، ومتعاملةً مع المأساة بعقلٍ سياسيّ بارد، بل ومتواطئ، وكأنّ ما يجري في الجنوب والبقاع والضاحية ليس عدواناً يستهدف روح لبنان وهويّته وكرامته ومستقبله. بل إنّ الأخطر من الدمار المادّي، هو محاولة إنهاك البيئة الصامدة نفسيّاً ومعنويّاً، ودفعها إلى التراجع أو الشعور بالعزلة والخذلان.
من مكّة إلى كربلاء: موقفٌ لا مساومة فيه
لكنّ المؤمن في مثل هذه الظروف لا يسأل عن حجم الخسائر فقط، بل يسأل: ما التكليف؟ وكيف نحفظ الموقف الحقّ في زمن الفتن والتراجعات؟ وهنا تتجلّى مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، كمنهجٍ حيٍّ للموقف والثبات والبصيرة.
فعندما خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من مكّة إلى العراق، كان يدرك تماماً حجم التضحيات التي تنتظره. خرج في موسم الحجّ، وفي أيّامٍ عظيمة، يوم التروية؛ لأنّه رأى أنّ حفظ الدين والحقّ والكرامة أولى من السلامة الشخصيّة، وأنّ السكوت أمام الانحراف يعني ضياع الأمّة كلّها. وقد أعلن (عليه السلام) أهداف نهضته بوضوحٍ كامل، وألقى الحجّة على الأمّة، كما جاء في وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة: «أَنَّ اَلْحُسَيْنَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اَلْحَقِّ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ وَاَلنَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اَلسّٰاعَةَ آتِيَةٌ لاٰ رَيْبَ فِيهٰا، وَأَنَّ اَللّٰهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ، وَأَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلاَ بَطِراً وَلاَ مُفْسِداً وَلاَ ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ اَلْإِصْلاَحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (صلّى الله عليه وآله)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ اَلْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ»[3].
لقد علّمنا الإمام الحسين (عليه السلام) أنّ المؤمن الحقيقيّ لا ينسحب من الميدان عندما يكثر المتخاذلون، ولا يساوم على الحقّ عندما تتخلّى الأمّة، ولا يُغيّر مواقفه لأنّ الضغوط اشتدّت والتضحيات عظمت. لقد كتب إليه الآلاف، ثمّ تراجع كثيرون، وخاف بعضهم على مصالحه، وآثر آخرون الصمت خوفاً من السلطة أو طمعاً بالدنيا، لكنّ الإمام (عليه السلام) لم يتراجع؛ لأنّ القضيّة كانت مرتبطةً بحفظ خطّ الحقّ من الضياع.
واليوم، حين يشعر بعض الناس بالخذلان بسبب صمت العالم، أو تواطؤ القوى الكبرى، أو عجز الدول العربيّة والإسلاميّة، أو بسبب الحملات الإعلاميّة والسياسيّة التي تستهدف المقاومة وبيئتها، يجب أن نتذكّر أنّ هذا الطريق لم يكن يوماً طريقاً مفروشاً بالراحة والقبول الشعبيّ. وأهل الحقّ، عبر التاريخ، كثيراً ما تُركوا وحدهم في الميدان، لكنّ وحدتهم مع الله كانت أقوى من كلّ اصطفافات الباطل.
ولهذا، فإنّ أهل الإيمان يواجهون المحن بالعودة إلى الله تعالى، واستمداد القوّة منه؛ فكلّما اشتدّت الفتن، وتعاظمت الضغوط، وقلّ الناصر، ازدادت حاجة الإنسان إلى أن يراجع علاقته بالله، حتّى لا تهزمه الحرب النفسيّة، ولا تقتلع منه روح اليقين. وهذا ما يدعونا إليه يوم عرفة، هذا اليوم العظيم الذي يقف فيه الإنسان بين يدي الله تعالى ليُجدّد إيمانه وثقته وتوكّله.
عرفة: يوم العودة إلى الله
إنّ يوم عرفة هو يوم مراجعةٍ شاملةٍ للنفس والموقف والانتماء، ويوم الاعتراف بالتقصير والذنوب وتجديد العهد مع الله تعالى، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدك عند الله بوحدانيّته»[4]، فالمؤمن في هذا اليوم يعود إلى الله بقلبٍ منكسر، ليخرج أكثر صفاءً وثباتاً ويقيناً.
وحين نقرأ دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في عرفة، نجد روح العبوديّة الكاملة لله تعالى، وروح الثقة المطلقة به؛ فيوم عرفة يوم رجاءٍ ورحمةٍ وأمل، لا يوم يأسٍ وانكسار، عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وقد سمع رجلاً يسأل الناس يوم عرفة: «ويحك! أغيرَ الله تسألُ في هذا اليوم؟!»[5]؛ لأنّ هذا اليوم هو يوم التعلّق بالله وحده، لا بالقوى الظالمة ولا بالمستكبرين.
وقد بشّرت الروايات بسعة رحمة الله تعالى في هذا اليوم العظيم، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «وأعظم الناس جرماً من أهل عرفات، الذي ينصرف من عرفات وهو يظنّ أنّه لم يُغفَر له»[6]. ولذلك، فإنّ أعظم ما تحتاجه بيئة المقاومة اليوم هو هذا الثبات النفسيّ والإيمانيّ؛ أن تبقى واثقةً بالله، متماسكةً، لا تسمح للحرب النفسيّة أن تُسقطها، ولا لشدّة الابتلاء أن تُفقدها الأمل بوعد الله تعالى ونصره.
أيّها المؤمنون، إنّ المقاومة اليوم لا تدافع فقط عن أرضٍ أو حدود، بل عن كرامة الأمّة، وعن حقّها في أن تعيش حرّةً عزيزةً غير خاضعةٍ للإملاءات الأميركيّة والصهيونيّة. ومن هنا، فإنّ واجبنا الشرعيّ والأخلاقيّ والوطنيّ أن نقف إلى جانب أهلنا النازحين والمجاهدين والصابرين، بالكلمة والموقف والدعم والتكافل الاجتماعيّ، وألّا نسمح للفتنة أو الإحباط أو الشائعات أن تتسلّل إلى مجتمعنا.
علينا أن نكون على مستوى هذه المرحلة، وأن نفهم أنّ التضحيات التي تُقدَّم اليوم هي التي تحفظ مستقبل الأجيال القادمة، وأنّ الصبر في هذه اللحظات هو امتدادٌ لصبر الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.
[1] سورة آل عمران، الآية 173.
[2] الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، إنسان بعمر 250 سنة، ص255.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج44، ص329.
[4] مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام)، ص92.
[5] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص211.
[6] المصدر نفسه.









