وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بذكرى ولادة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) في الثامن من ربيع الآخر، سنة 232 للهجرة.
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[1].
أيّها الأحبّة،
تضع الآية الكريمة أمام الإنسان قاعدةً أساسيّة في مسؤوليّة المعرفة والموقف والكلمة؛ فالسمع والبصر والفؤاد منافذ يتلقّى الإنسان عبرها المعلومات والانطباعات، ويبني عليها مواقفه وقراراته وينقلها إلى الآخرين. ومن هنا، تتّسع مسؤوليّة الإنسان لتشمل ما يستقبله من أخبار، وما يصدّقه منها، وما يبني عليه من أحكام، وما ينقله إلى غيره، وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «يُسأل السمعُ عمّا يَسمَع، والبصرُ عمّا يَطرِف، والفؤادُ عمّا يَعقِد عليه»[2]؛ فالإنسان مسؤول عن مسار المعلومة منذ لحظة تلقّيها، وعن الأثر الذي تتركه في وعيه وموقفه، وعن الكلمة التي يخرج بها إلى المجتمع.
وهذا المبدأ له أثر مباشر في استقرار الحياة الاجتماعيّة؛ لأنّ التعامل غير المنضبط مع الأخبار يفتح المجال أمام الشائعات، والأحكام المتسرّعة، والظنون، والأكاذيب، ويُضعف الثقة بين الناس، ويجعل العلاقات الاجتماعيّة عرضةً للشكّ والريبة وسوء الظنّ...
وتزداد هذه المسؤوليّة حساسةً في أوقات المواجهة والأزمات، حين يعيش المجتمع في مواجهة عدوٍّ يتربّص به، ويتابع أخباره، ويراقب حركته، ويسعى إلى جمع كلّ معلومة يمكن أن تخدم أهدافه. عندها تصبح المعلومة جزءاً من ميدان المواجهة، ويصبح حفظها وتداولها مسؤوليّةً تتّصل بأمن المجتمع وسلامة أفراده ومصالحه.
وفي ذكرى ولادة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، نستحضر تجربة إمامٍ عاش مرحلةً حسّاسةً جدّاً من تاريخ أهل البيت (عليهم السلام)، في ظلّ رقابة السلطة العبّاسيّة وتضييقها على الإمام وشيعته؛ الأمر الذي جعل التواصل مع الأتباع يحتاج إلى قدرٍ عالٍ من التنظيم والحذر، وبرز فيه دور الوكلاء والثقات في حفظ الصلة بالإمام وإدارة شؤون أتباعه.
ومن هذه التجربة نصل إلى قيمةٍ أساسيّة في حياة المؤمن، وهي كتمان السرّ؛ فالمعلومة أمانة، والسرّ عهد، ومَن اؤتمن على أمرٍ لا يجوز له أن يجعله متداولاً لمجرّد أنّه عرفه. وقد يكون حفظ السرّ في بعض الظروف حمايةً لإنسان، أو صيانةً لمصلحة، أو حفظاً لجماعة، أو منعاً لضررٍ كان يمكن أن يقع بسبب كلمة خرجت من غير موضعها.
السرّ أمانة
لقد عاش الإمام العسكريّ (عليه السلام) في سامرّاء في ظلّ رقابة السلطة العبّاسيّة وتضييقها، وكان شيعته منتشرين في مناطق مختلفة؛ الأمر الذي جعل التواصل المباشر معه محدوداً ومحكوماً بظروف أمنيّة دقيقة؛ ولذلك اعتمد الإمام على شبكةٍ من الوكلاء والثقات في إيصال الرسائل والأموال والتوجيهات، وكان عثمان بن سعيد العَمريّ من أبرز هؤلاء؛ إذ تولّى الوكالة عن الإمام الهادي ثمّ عن الإمام العسكريّ (عليهما السلام).
وتكشف هذه التجربة التاريخيّة قيمةً مهمّةً في إدارة شؤون الجماعة وحماية مصالحها، وهي أمانة المعلومة وحفظ السرّ. فالمعلومة قد تكون أداةً للإصلاح وحفظ المصالح عندما توضَع في موضعها الصحيح، وقد تتحوّل إلى مصدر ضررٍ عندما تُنقل إلى مَن لا ينبغي أن تصل إليه؛ ولذلك كان حفظ السرّ جزءاً من الأمانة، وليس مجرّد سلوك شخصيّ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَن كتم سرَّه كانت الخيرة بيده، وكلُّ حديث جاوز اثنين فشا»[3]، فالكلام، بمجرّد خروجه من صاحبه إلى غيره، يدخل في دائرة التداول، وكلّما اتّسعت دائرة مَن يعلمون به ازدادت احتمالات انتقاله إلى غير مَن أُذن له في معرفته.
وقد بيّنت روايات أهل البيت (عليهم السلام) خطورة إذاعة المعلومات التي يترتّب على نشرها ضرر، فعن الإمام الصادق (عليه السلام)، في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[4]، قال: «والله، ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكنّهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها، فأُخِذوا عليها فقُتِلوا»[5]، وعنه (عليه السلام) أيضاً: «ما قَتَلَنا مَن أذاعَ حديثَنا قَتْلَ خطأ، ولكن قَتَلَنا قَتْلَ عمد»[6].
وتكشف هذه الروايات عن حقيقة دقيقة، ألا وهي أنّ مسؤوليّة الإنسان عن المعلومة لا تتوقّف عند صدقها، وإنّما تشمل أيضاً مسؤوليّة تداولها ونتائج إذاعتها؛ فقد يكون الخبر صحيحاً في ذاته، لكنّ نشره في ظرف غير مناسب، أو إيصاله إلى جهة غير مأمونة، أو كشفه لمَن لا يملك حقّ معرفته، قد يحوّل المعلومة الصحيحة إلى وسيلة للضرر.
وفي واقعنا المعاصر، قد تتعلّق المعلومة بأمن الناس، أو بتحرّك ميدانيّ، أو بمكان أشخاص، أو بعمل للمقاومة، أو بتفصيل يمكن أن تستفيد منه الجهة المعادية. وهنا تدخل المعلومة في دائرة المصلحة العامّة، ويصبح تداولها خاضعاً لمعيار الأمانة وحفظ المصلحة، لا لمجرّد الرغبة في النشر أو إظهار المعرفة.
التبيّن من الأخبار
وإذا كانت الأمانة تقتضي حفظ المعلومة التي اؤتمن الإنسان عليها، فإنّ المسؤوليّة تسبق ذلك في مرحلة أخرى: كيف يتعامل الإنسان مع المعلومة التي تصله؟ هل يتلقّاها كما هي؟ هل يبني عليها حكماً وموقفاً؟ هل ينقلها إلى الآخرين قبل أن يعرف مدى صحّتها وآثار تداولها؟ هنا يضع القرآن الكريم قاعدة واضحة في التعامل مع الأخبار، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[7]؛ فالآية تربط بين الخبر وبين المسؤوليّة عن الأثر الذي يترتّب عليه؛ ولذلك يأتي الأمر بالتبيّن قبل أن يتحوّل الخبر إلى موقف أو تصرّف. والخطر هنا يبدأ عندما ينتقل الإنسان من سماع الخبر إلى تصديقه، ومن تصديقه إلى بناء الموقف عليه، ومن الموقف إلى نقله للآخرين، من دون أن تمرّ المعلومة بمرحلة التحقّق الكافية، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «يُحشر العبد يوم القيامة وما ندى دماً، فيُدفَع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيُقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا ربّ، إنّك لَتعلم أنّك قبضتني وما سفكتُ دماً، فيقول: بلى، سمعتَ من فلان رواية كذا وكذا، فرويتَها عليه، فنُقلَت، حتّى صارت إلى فلان الجبّار، فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه»[8].
وهذه المسؤوليّة تزداد في زمننا بسبب سرعة تداول الأخبار واتّساع وسائل النشر؛ فقد يصل إلى الإنسان خلال دقائق خبر عن معركة، أو خسائر، أو تقدّم للعدوّ، أو انسحاب، أو موقف سياسيّ أو أمنيّ. وقد يكون الخبر صحيحاً، وقد يكون كاذباً، وقد يكون صحيحاً في جزء منه ومضلّلاً في بقيّته، وقد تكون المعلومة صحيحة في أصلها، لكنّ نشرها في ذلك الظرف أو تداولها بهذه الصيغة يسبّب ضرراً؛ لذلك ينبغي أن نميّز بين وصول المعلومة وبين ثبوتها، وبين ثبوتها وبين صلاحيّة نشرها. فوجود الخبر على الهاتف لا يمنحه صفة المعلومة الموثوقة، وكثرة تداوله لا تحوّله إلى حقيقة، وسبق الآخرين إلى نشره لا يجعل المبادرة فضيلة، وهذا ما نبّه إليه الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) بوضوحٍ حين قال: «لا تنشروا شائعات العدوّ، حيث نسمع كلاماً لا أساس له من أحدهم، فننقله لخمسة أشخاص مثلاً، حسناً، هذا هو الهدف الذي يريد العدوّ تحقيقه؛ فلا تقوموا به، ولا نكرّر أباطيل العدوّ وشائعاته. ثمّ ينبغي ألّا نصدّق الشائعات، ما دام لا يوجد أيّ دليل موثّق، ولا موضوع منطقيّ ومعقول، ينبغي ألّا نصدّق كلام العدوّ»[9].
نعم، إنّ هذه المسؤوليّة تتضاعف في مواجهة العدوّ؛ لأنّ الخبر في ظروف الصراع قد يكون جزءاً من المعركة نفسها. فالجهة المعادية تتابع ما يتداوله الناس لاستخراج معلومات، أو رصد حالات القلق، أو اكتشاف نقاط الضعف، أو الاستفادة من تفاصيل يكشفها الناس من غير قصد؛ ولذلك يحتاج المؤمن في هذه الظروف إلى وعيٍ يجمع بين التثبّت قبل التصديق، والحذر قبل النشر، وحفظ المصلحة قبل الرغبة في التداول.
[1] سورة الإسراء، الآية 36.
[2] ابن مسعود العيّاشيّ، تفسير العيّاشيّ، ج2، ص292.
[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص380.
[4] سورة البقرة، الآية 61.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص371.
[6] المصدر نفسه، ج2، ص370.
[7] سورة الحجرات، الآية 6.
[8] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص370.
[9] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/01/2018م.









